13/10/2022
نص السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم سيّدي الحضرة السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أسأل الله تعالى أنْ تكون بصحة وعافية.
سيّدي لديّ سؤال:-
كيف نوفّق بين قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في مقطع من الحديث الشريف وهو يقول (مَنْ تزوّج امرأة لمالها لم يزده الله إلّا فقرا) وبين مقطع في حديث شريف آخر يقول فيه (تنكح المرأة لأربع لمالها —) أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم فالذي يريد أنْ يُقبل على الزواج ويتزوّج من امرأة ذات مال وفي نيّته الاستفادة من مالها فما هو التوجيه الصحيح؟
وجزاكم الله خير الجزاء.
الاسم: أبو محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات.
بيّن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم الأسباب الداعية للزواج عند الناس على نحو عام، ثمّ وجّه إلى السبب الذي فيه الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وهو الفوز بالاقتران بذات الدِّين، فإنْ تحلّت بصفات أخرى مثل المال والجمال والحسب فَبِهَا وَنِعْمَت.
وإنْ تعذّر قُدِّمت ذاتُ الدِّين لأنّ الدِّيْنَ أبقى وأصلح لحال المرء وزوجه.
والنيّة هي العمل القلبي الذي به تأخذ الأعمال طبيعتها وثمرتها ونسبة قبولها ورفضها في الشرع الشريف، ومن هنا فمَنْ كانت نيّته المال فقط فقد جهل مشروع الزواج، وحَرَمَ نفسه من المعاني والغايات النبيلة التي وضعها الشارع الحكيم في هذا التشريع الكريم فكان جزاؤه من جنس عمله، فنال الحرمان والفقر؛ لأنّ مَنْ تعجّل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه.
قال الحقّ جلّ جلاله وعمّ نواله:ـ
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
الزواج آية من آيات الله تعالى المباركة، فيها من الحِكَمِ والثمرات الجليلة التي ينبغي للمسلم الوقوف عندها ليفهم المديات الواسعة لهذا التشريع الرباني الحكيم.
ولقد جاءت نصوص الشرع الشريف لتضع مزيدا من الهدايات والتشريعات والآداب المتعلّقة به لتجعله يسمو بالمسلم بما ينفعه في دنياه وآخرته.
قال الحقّ عزّ وجلّ مبيّنًا قصّة زواج سيّدنا موسى عليه السلام:-
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [سورة القصص: 26 – 28].
وقال سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:ـ
(تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
هناك مَنْ يفهم الحديث الشريف بصورة غير صحيحة، وكأنّه قدّم غير الدّين في الزواج على ذات الدين، والصواب أنّه تقديم في الذكر فقط ليتمّ بعد ذلك ذكر الفاضل لاحقا لمزيد عناية وتأكيد، فليس في الحديث الشريف أمر أو ترغيب في نكاح المرأة لأجل جمالها أو حسبها أو مالها، وإنّما المعنى أنّ هذه هي مقاصد الناس في الزواج، فمنهم مَنْ يبحث عن ذات الجمال، ومنهم مَنْ يطلب الحسب، ومنهم مَنْ يرغب في المال، ومنهم مَنْ يتزوّج المرأة لدينها، وهو ما رغَّب فيه حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بقوله: (فَاظْفَر بِذَاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)، ولكن قدّم الخصال الأخرى لغلبتها حال الطلب عند الناس، وهذا من دواعي الجهل بالشريعة الغرّاء ـ مع الأسف ـ وفيه بذور الخسران المحقّق لمخالفته رغبة الشارع الحكيم وتوجيه حضرة خاتم النبيين عليه وآله أفضل الصلاة والتسليم، فبمفهوم المخالفة الخسران يُقابل الظَّفر والفوز، والخسران نصيب مَنْ أتبع نفسه هواها واختار زينة الحياة الدنيا من المال والجمال والفخر بالأنساب وكلّ ذلك زائل لا محالة.
وقال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في شرح هذا الحديث الشريف:ـ
(مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَرْغَبُوا فِي النِّسَاءِ وَيَخْتَارُوهَا لِإِحْدَى الْخِصَالِ وَاللَّائِقُ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَأَرْبَابِ الدِّيَانَاتِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَدُومُ أَمْرُهُ وَيَعْظُمُ خَطَرُهُ) تحفة الأحوذي (4/174).
قَوْلُهُ: تَرِبَتْ يَدَاكَ (كَلِمَةٌ أَصْلُهَا افْتَقَرْتَ وَلَكِنَّ العَرَبَ اعْتَادَت اسْتِعْمَالَهُ غَيْرَ قَاصِدَةٍ حَقِيقَةَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ فَيَذْكُرُونَ تَرِبَتْ يَدَاكَ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ، وَلَا أُمَّ لَهُ، وَلَا أَبَ لَكَ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، وَوَيْلُ أمّه، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ أَلْفَاظِهِمْ يَقُوْلُوْنَهَا عِنْدَ انْكَارِ الشَّيْءِ، أَو الزَّجْرِ عَنْهُ، أَوِ الذَّمِّ عَلَيْهِ، أَوِ اسْتِعْظَامِهِ، أَوِ الْحَثُّ عَلَيْهِ، أَوِ الْإِعْجَابِ بِهِ) شرح الإمام النووي على الإمام مسلم رحمهما الله عزّ وجلّ (3/221).
فاظفر أيّها المسترشد بذات الدِّين، فهي نِعْمَ الصاحب إذ تستفيد من أخلاقها وحُسن عشرتها وتأمن المفسدة من جهتها في كلّ أحوالك وأحوالها.
ولقد جاء لفظ (فاظفر) في الحديث الشريف لبيان رغبة الشارع الحكيم ليُوحي بفوز الرجل إنْ حظي بالمرأة الصالحة تعظيما لشأنها، ورفعة لمكانتها، ولأنّه السبيل الذي من خلاله تتحقق الحِكَم والثمرات النبيلة الكريمة التي تُرتجى من هذا المشروع المبارك؛ وإنْ فات الرجل ذلك فقد تربت يداه أي التصقت بالأرض، كناية عن الخسران كما نصّ عليه الحديث الشريف.
أمّا الحديث الشريف الثاني فقد روي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:ـ
(سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَّا لِيَغُضَّ بَصَرَهُ أَوْ لِيُحْصِنَ فَرْجَهُ، أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ) الإمام الطبراني رحمه الباري سبحانه.
ولا يخفى ما في هذا التوجيه النبويّ الشريف من التحذير والترهيب مِنْ أنْ تقتصر النيّة على الجوانب الدنيوية التي هي مباحة في الأصل، ولكن الذمّ والتحذير يأتي في حالة اقتصار النيّة عليها كما أسلفتُ لأنّ في ذلك استخفافا بهذه الشعيرة المباركة وتحجيمًا للغايات والثمرات المرجوة منها؛ فإنْ تحقّقتْ في المرأة الأخلاق الفاضلة الداعية لزواجها مع وجود المال والجمال والحسب فذاك أفضل إذ به تتحقق المصالح الأخرى التي تصبّ جميعها في تعزيز دين المرء وتحسين أحواله الروحية والمادية.
قال عزّ من قائل:ـ
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [سورة القصص: 77].
أي (والتمس فيما آتاك الله عزّ وجلّ من الأموال خيرات الآخرة، بالعمل فيها بطاعة الله في الدنيا). يُنظر: تفسير الإمام الطبري رحمهُ الله جل وعلا (19/524).
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب الأسئلة المرقمة (1864، 2082، 2518) في هذا الموقع الأغرّ.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلِّ اللهمّ وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد