28/11/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي.
أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يرضى عنكم ويرضيكم ويجزي العاملين معكم والقائمين على الموقع خيرًا وزيادة.
سيّدي، ما حكم تقليد أكثر من مذهب في نفس العبادة، مثلا: الصلاة، وذلك بهدف زيادة الخشوع أو مصلحة أخرى.
أحسن الله جلّ وعلا إلى حضرتكم وجزاكم عنا وعن الأمة خيرا.
الاسم: عبد الله فؤاد آل محمود
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
تعدّدت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حُكْمِ تقليدِ أكثرَ من مذهبٍ في العبادة الواحدة، ويسمّى (التلفيق).
فمنهم مَنْ ذهب إلى المنع، ومنهم مَنْ أجازه بشرط ألّا يكون هدفه تتبّع الرُّخَص أو اتّباع الهوى والتشهّي، وأنْ لا يأتي بفعل يخالف الإجماع.
الأخذ بأكثر من مذهب له حالات عدّة:-
الأولى: (أَخْذُ صِحَّةِ الْفِعْل مِنْ مَذْهَبَيْنِ مَعًا، بَعْدَ الْحُكْمِ بِبُطْلاَنِهِ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُفْرَدِهِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالتَّلْفِيقِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ) الموسوعة الفقهية الكويتية (13/293).
وَمِثَالُهُ:-
(مُتَوَضِّئٌ لَمَسَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً بِلاَ حَائِلٍ، وَخَرَجَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ، كَدَمٍ، مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا الْوُضُوءَ بَاطِلٌ بِاللَّمْسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَاطِلٌ بِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ يُنْتَقَضُ أَيْضًا بِاللَّمْسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا صَلَّى بِهَذَا الْوُضُوءِ، فَإِنَّ صِحَّةَ صَلاَتِهِ مُلَفَّقَةٌ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا) حاشية الإمام ابن عابدين رحمه الرحمن جلّ جلاله (1/51).
وقد تعدّدت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم هذه الصورة إلى قولين:-
الأوّل: عدم الجواز (والْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ) الدر المختار وحاشية ابن عابدين رحمه الله عزّ شأنه (1/383).
وذلك لأنّ فيه تتبعا للرخص:-
(وَفِي تَتَبُّعِ الرُّخَصِ، وَفِي مُتَتَبِّعِهَا فِي الْمَذَاهِبِ خِلاَفٌ بَيْنَ الأْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: وَالأْصَحُّ امْتِنَاعُ تَتَبُّعِهَا لأِنَّ التَّتَبُّعَ يُحِل رِبَاطَ التَّكْلِيفِ، لأِنَّهُ إِنَّمَا تَبِعَ حِينَئِذٍ مَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ) جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/400).
قال العلامة الشاطبي رحمه الله جلّ جلاله:-
(— فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ لَا يَحِلّ) الموافقات (5/82).
الثاني: جواز تلفيق المقلد بشروط، وهو قول بعض الأصوليين. يُنظر فتح القدير للإمام ابن الهمام (7/258)، حاشية الدسوقي (1/20)، فتاوى الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام ص288 رحمهم الله جلّ في علاه.
ومن هذه الشروط:
أنْ يكون للضرورة، وعدم تتبّع الرُّخص، وأنْ لا يكون مخالفًا للإجماع، وألّا يؤدي إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرّها أحد من المجتهدين. يُنظر أصول الفقه الإسلامي للشيخ وهبة الزحيلي (2/428)، مطالب أولى النهى (1/390)، نفائس الأصول للإمام القرافي (9/3964) رحمهم الله عزّ وجلّ، قرار مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد (8) رقم (74/1).
(فَلَوْ تَوَضَّأَ شَخْصٌ، وَمَسَحَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ، فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ، فَلَوْ لَمَسَ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُضُوءَ هَذَا الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ، وَلَمْسَ الْفَرْجِ غَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا قَلَّدَهُ فِي عَدَمِ نَقْضِ مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، اسْتَمَرَّ الْوُضُوءُ عَلَى حَالِهِ بِتَقْلِيدِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ التَّقْلِيدِ، وَحِينَئِذٍ، فَلَا يُقَالُ: الشَّافِعِيُّ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا الْوُضُوءِ بِسَبَبِ مَسِّ الْفَرْجِ، وَالْحَنَفِيُّ يَرَى الْبُطْلَانَ لِعَدَمِ مَسْحِ رُبْعِ الرَّأْسِ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ تَمَّ صَحِيحًا بِتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ، وَيَسْتَمِرُّ صَحِيحًا بَعْدَ اللَّمْسِ بِتَقْلِيدِ الْحَنَفِيِّ، فَالتَّقْلِيدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِمْرَارِ الصِّحَّةِ، لَا فِي ابْتِدَائِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ مِمَّنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ وُضُوءِ هَذَا الْمُقَلِّدِ قَطْعًا، فَقَدْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ فِيمَا هُوَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ) كتاب مجلة الفقه الإسلامي (9/114).
ولو أخذ برأي مذهب مثلًا في الوضوء، ثمّ أخذ برأي مذهب آخر في وضوء آخر، فلا مانع، أو الأخذ برأي مذهب آخر في جزئية في الوضوء لكنّها لا تتنافى مع المذهب الأوّل، كمَنْ توضّأ وضوءً كاملًا مع السنن حسب مذهب الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه، ومسح جميع رأسه، ودلك الأعضاء، ثمّ لمس امرأة أجنبية دون قصد شهوة، فيجوز له أنْ يصلّي بذلك الوضوء باعتبار أنّه لم ينقض حسب المذهب الحنفي والمالكي. الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للشيخ وهبة الزحيلي رحمه الله جلّ ثناؤه (2/174).
الحالة الثانية: أنْ يُقلّد الشخص مذهبًا في مسألة ما، ويقلّد مذهبًا آخر في مسألة أو مسائل أخرى غيرها، فهذا ليس من التلفيق.
(أَمَّا الأخْذُ بِأَقْوَال الأئِمَّةِ فِي مَسَائِل مُتَعَدِّدَةٍ فَلَيْسَ تَلْفِيقًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَنَقُّلٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، أَوْ تَخَيُّرٌ مِنْهَا) الموسوعة الفقهية الكويتية (13/294).
وهذا جائز، إنْ لم يكن الدافع اتباعَ هوىً، لأنّ أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم لا يُلزمون الناس بتقليد مجتهد في كلّ ما يقوله.
الحالة الثالثة: أنْ يُقلّد الشخص مذهبًا في مسألة معيّنة، فإذا تكرّرت المسألة نفسها معه، أخذ فيها برأي مذهب آخر، وهذه الصورة جائزة على أنْ لا يكون لاتّباع الهوى.
وفي ذلك يقول الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البريّة جلّ وعلا:-
(مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ فَعَلَ خِلَافَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِعَالِمِ آخَرَ أَفْتَاهُ؛ وَلَا اسْتِدْلَالَ بِدَلِيلِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَمِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ، وَعَامِلًا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، فَاعِلًا لِلْمُحَرَّمِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ؛ فَهَذَا مُنْكَرٌ…
وإذَا تَبَيَّنَ لَهُ مَا يُوجِبُ رُجْحَانَ قَوْلٍ عَلَى قَوْلٍ، إمَّا بِالْأَدِلَّةِ الْمُفَصَّلَةِ إنْ كَانَ يَعْرِفُهَا وَيَفْهَمُهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَرَى أَحَدَ رَجُلَيْنِ أَعْلَمَ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ أَتْقَى لِلَّهِ فِيمَا يَقُولُهُ، فَيَرْجِعُ عَنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِمِثْلِ هَذَا، فَهَذَا يَجُوزُ، بَلْ يَجِبُ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ) مجموع الفتاوى (20/220).
(وَاجْتِهَادُ العَامَّة: هُوَ طَلَبُهُم العِلْمَ مِنَ العُلَمَاءِ، بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِفْتَاءِ، بَحَسَبِ إِمْكَانِهِمْ) جامع الرسائل (2/318).
وخلاصة أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم في الأخذ بأكثر من مذهب هو الجواز بشرط أنْ لا يكون من أجل تتبّع الرُّخَص بحيث تكون هذه المسألة مرافقة له في كلّ عباداته، وأنْ لا يكون من أجل الهوى، وأنْ لا يجمع بين مذهبين بحيث يخرج بحكم يخالف إجماع العلماء وبرأي لم يقل به أحد، فإذا كنت قد أخذت بالأيسر في هذه المسائل المعدودة لحاجتك إلى ذلك وكون القائلين بالرخصة من السادة الفقهاء والأئمة المجتهدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والمسألة من مسائل الاجتهاد التي ليس فيها نصّ قاطع، فالأخذ بالرخصة من أقوالهم بعض الأوقات عند الحاجة لا حرج فيه، ويصحّ أنْ يقال: إنّ الاختلاف رحمة؛ إذ الرخصة رحمة.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1869، 2143، 2918) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.