27/6/2024
نص السؤال:
زوجتي حامل في الشهر الخامس وعند مراجعة الطبيب تم إخباري بأن الجنين مشوه ورأسه في صفحته ورجله في عنقه وحدث انتفاخ في الحبل السري واشاروا الينا باسقاط الجنين وعند زرق الابر اللازمة لأسقاط الجنين لم يسقط فأشاروا إلينا بإجراء عملية جراحية لاسقاط الجنين وعند اجراء العملية تبين أن الطفلة سليمة ويجب اخذها للخدج ولأنني المعيل الوحيد لعائلتي ولسوء حالتي المعيشية لم اذهب للخدج وذهبت للمنزل وتوفيت الطفلة في الليل هل علي ذنب في هذا علماً انها عمرها 6 شهور وبهذا العمر لا يعيش الجنين واذا كان علي ذنب ما الذي يجب ان افعله ليغفر الله لي.
الاسم: عامر
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أشكركم على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وأذكركم أنّه ينبغي إلقاء تحية السلام فهي مِنْ شعائر الإسلام ومِنْ وصايا خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأتّمُّ السلام.
إذا كنت قد بذلت ما في وسعك لإنقاذها كمحاولة تحويلها لمستشفى حكومي مجاني أو تعاوني، أو سَعَيْتَ لتوفير تكاليف علاجها ببيع بعض حاجياتك غير الضرورية أو عن طريق الاستدانة من الآخرين فحينئذٍ لا حرج عليك إن شاء الله تعالى؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، وبعكسه فأنت مُتسببٌ في موت الطفلة، وعليك الكفارة والدية.
قبل البدء بالجواب لابد من كلمة موجهة للأخوة والأخوات العاملين في المجال الطبي فنقول وبالله التوفيق:-
قال الله جل جلاله:-
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [سورة القلم: 1-2].
الآيتان المباركتان أول ما نزل من القرآن الكريم، وفيهما إشارة إلى علم الطب المُتعلق بخلق الإنسان، خليفة الله تعالى المُكرم، الذي حرم الله تبارك في علاه دمه فقال عز وجل:-
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [سورة المائدة: 32].
ومما يُؤسف له أن يكون الواقع الطبي في بلاد المسلمين بهذا التدني والانحدار المهني والأخلاقي مما يعود بالضرر الكبير على الناس؛ فكم أزهقت أرواح بسبب الجهل والاهمال والجشع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولمزيد اطلاع حول هذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1839) في هذا الموقع المبارك.
أيها الأحبة: لقد ولّاكم الله تعالى مسؤولية عظيمة لا ينبغي الاستهانة بها، فأنتم تتعاملون مع الإنسان مباشرة وهو في حالة ضعفه ومرضه، وهذه الحالة تقتضي منكم الرحمة والعطف والحرص على حياته وسلامته؛ فمن أحسن فقد أدى واجبه، وله من الله جل وعلا أجر عظيم ـ كما هو واضح من هدايات الآية المباركة التي تشرفنا بذكرها آنفاً ـ ومن قصّر وأهمل واجبه فسيكون سببا لموت المريض أو اصابته بضرر كبير، مما يجعله عُرضةً للعقوبات القانونية والشرعية.
وهذه مناسبة للتأكيد على أن من صور الفساد في هذا الجانب تسهيل الحصول على الشهادات العلمية المُتعلقة بالجانب الطبي مما يُؤدي إلى ولادة جيل جديد يعمل في هذا المجال مع كونه لا يملك المقومات العلمية والعملية التي تُؤهله لهذه المهمة الإنسانية النبيلة؛ فينبغي على الدولة ومؤسساتها المعنية مراعاة هذا المحور الخطير المُتعلق بحياة الناس وسلامتهم الصحية.
أما ما يخص السؤال فلابد من التّنبيه أيضا على ضرورة التأكد من صحة الفحوصات والإجراءات المُتعلقة بالأمور المصيرية المرتبطة بحياة الإنسان وسلامته، مثل اسقاط الجنين أو إجراء العمليات إلى غير ذلك مما له شأن خطير؛ فالمرء لكي يُقرر شراء حاجة ما ـ مهما كانت بسيطة ـ فإنه يسأل ويتحرى مرات ومرات فكيف بأمر يتعلق بحياته أو بحياة الآخرين!!
على كل حال فقد تم التشخيص الخاطئ فكان سببا لولادة الطفلة ذات الشهور الستة، وهنا فإنه لا يجوز لك ترك الطفلة المذكورة وعدم وضعها في المحضن المخصص بعد إخبار الأطباء باحتمال عدم إمكان عيشها خارجه، بل كان عليك أن تبذل كل ما في وسعك لنجاتها، وذلك بتحويلها إلى مشفى مجاني، فإن تعذر ذلك فتعمل جاهدا بكل وسيلة شرعية متاحة للحصول على تكاليف علاجها ونجاتها من الموت، فإن كنت قد فعلت ذلك وأُسقط في يديك فلم تتمكن من الحصول على التبرع والدعم والمساندة المطلوبة فلا إثم عليك لقوله تبارك أسمه:-
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [سورة البقرة: 286].
أما إذا حصل منك تفريطٌ بأي وجه من الوجوه، وكنت تستطيع إنقاذ حياتها بوضعها في ذلك المحضن أو غيره ولم تفعل فعليك تحمل مسؤولية موتها؛ لأن تركك لمساعدتها يُعتبر بمنزلة الفعل، فتكون بذلك سبباً بموتها، وعليك كفارة القتل الخطأ ودفع الدية.
والدّية هي مائة من الإبل أو ما يساوي قيمتها في كلّ عصر، ويجوز لأولياء المقتول التصدّق بها أو ببعضها لقوله سبحانه:-
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة النساء: 92].
والدية على العاقلة [ العاقلة: القرابة من قِبل الأب]، والجاني واحد منهم على الأرجح، وفي هذه الحالة تكون الدية للأم والإخوة إن وجدوا، والجاني لا يرث شيئا من الدية ولا غيرها، وأيضًا لا يحجب غيره فكأنّه لا وجود له.
وأمّا الكفارة فهي عتق رقبة مؤمنة، فإنْ لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولمزيد بيان أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (2951، 787، 407) في هذا الموقع الكريم.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.