4/4/2026

نص السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

حفظ الله حضرة سيدي شيخ سعد الله (قدس اللهم سره الشريف) وادامه ذخرا للامة.

سؤالي هو:

كيف تؤدي المرأة حلف اليمين على المصحف الشريف وهي في أيام العذر الشرعي في المحكمة؟

 

الاسم: سائل

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

أَشْكُرُ تَوَاصُلَكُمْ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ، وَدَعَوَاتِكُمُ الطَّيِّبَةَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا لَكُمْ بِمِثْلِهَا وَزِيَادَةً، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

لَا يَحِلُّ مَسُّ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ لِغَيْرِ طَاهِرٍ مَالَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَائِلٌ، فَإِذَا نَزَلَ بِالْمَرْأَةِ عُذْرُهَا الشَّرْعِيُّ وَوَجَبَ عَلَيْهَا أَدَاءُ الْيَمِينِ؛ فَالْأَوْلَى أَنْ تُؤَخِّرَهُ حَتَّى تَطْهُرَ إِنْ وَجَدَتْ لِذَلِكَ سَبِيلًا، وَإِلَّا فَلْتَحْلِفْ دُونَ أَنْ تَمَسَّ صَفَحَاتِ الْمُصْحَفِ مُبَاشَرَةً، بَلْ تَجْعَلُ بَيْنَ يَدِهَا وَبَيْنَهُ حَائِلًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَأُلْجِئَتْ إِلَيْهِ؛ فَلَا حَرَجَ لِلضَّرُورَةِ الْقُصْوَى.

 

التَّفْصِيلُ:-

أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ عَلَى حُرْمَةِ مَسِّ الْحَائِضِ لِلْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ دُونَ حَائِلٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ:-

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [سُورَةُ الْوَاقِعَةِ: 77-79].

وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ) الْإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ رَحِمَهُ الْحَقُّ عَزَّ شَأْنُهُ.

 

يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُخْبِرَ الْقَضَاءَ بِحَالِهَا، فَإِنِ اسْتَطَاعَتْ تَأْجِيلَ مَوْعِدِ الْمَحْكَمَةِ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْجَلَسَاتِ فِي الْمَحَاكِمِ لَا حَرَجَ فِي تَأْجِيلِهَا، وَفِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ الْقَاضِي يَعْرِفُ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَلَا حَرَجَ فِي فَهْمِهَا، وَإِنْ أَخَذَتْ بِكُلِّ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ لِتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَلَمْ تَجِدْ لِذَلِكَ سَبِيلًا؛ تَحْلِفُ مِنْ دُونَ وَضْعِ يَدِهَا عَلَى الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، وَتَضَعُ حَائِلًا بَيْنَ يَدِهَا وَبَيْنَهُ، فَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ الْقُصْوَى.

قَالَ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ:-

(وَكَذَا الْمُحْدِثُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلَّا بِغِلَافِهِ: أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالنُّفَسَاءِ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا بِغِلَافِهِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ إِلَّا بِغِلَافِهِ) الْبِنَايَةُ شَرْحُ الْهِدَايَةِ (1/649).

وَالْغِلَافُ عِنْدَ سَادَاتِنَا الْحَنَفِيَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ:-

(مَا كَانَ مُتَجَافِيًا عَنْهُ: أَيْ مُتَبَاعِدًا بِأَنْ يَكُونَ شَيْئًا ثَالِثًا بَيْنَ الْمَاسِّ وَالْمَمْسُوسِ، وَلَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرِزِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ تَابِعًا لِلْمَاسِّ كَالْكُمِّ وَلَا لِلْمَمْسُوسِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرِزِ. قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْغِلَافِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْجِلْدُ الَّذِي عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْكُمُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْخَرِيطَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ تَبَعٌ لِلْمُصْحَفِ وَالْكُمُّ تَبَعٌ لِلْحَامِلِ وَالْخَرِيطَةُ لَيْسَتْ بِتَبَعٍ لِأَحَدِهِمَا، فَقَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ رَدٌّ لِلْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ الثَّانِي رَدَّ الثَّانِي) الْعِنَايَةُ شَرْحُ الْهِدَايَةِ (1/169).

الكُّمُّ:هُوَ مَدْخَلُ الْيَدِ وَمَخْرَجُهَا مِنَ الثَّوْبِ، وَالْجَمْعُ: أَكْمَامٌ.

الخَرِيطَةُ:هِيَ كِيسٌ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ يُشَدُّ عَلَى مَا فِيهِ بِخَيْطٍ أَوْ رِبَاطٍ. وَالْجَمْعُ: خَرَائِطُ.

قَالَ الْعَلَّامَةُ الدُّسُوقِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-

(وَلَا لَوْحٍ لِمُعَلِّمٍ وَمُتَعَلِّمٍ حَالَ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا مِمَّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ كَحَمْلِهِ لِبَيْتٍ مَثَلًا فَيَجُوزُ لِلْمَشَقَّةِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ حَائِضًا لَا جُنُبًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى إزَالَةِ مَانِعِهِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ) حَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ (1/126).

وَقَالَ الْإِمَامُ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ -رَحِمَهُ الْحَقُّ عَزَّ شَأْنُهُ:-

(يَجُوزُ حَمْلُهُ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أَوْ وُقُوعِهِ فِي يَدِ كَافِرٍ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الطَّهَارَةِ) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ (1/49).

قَالَ الْإِمَامُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -رَحِمَهُ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ:-

(النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ وَمَعَ الْحَائِلِ إنَّمَا يَكُونُ الْمَسُّ لَهُ دُونَ الْمُصْحَفِ) كَشَّافُ الْقِنَاعِ عَنْ مَتْنِ الْإِقْنَاعِ (1/134).

وَعِبَارَاتُ السَّادَةِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ- تُجِيزُ مَسَّ الْمُصْحَفِ عِنْدَ الِالْجِئَاءِ الشَّدِيدِ مِنْ دُونِ حَائِلٍ.

فَإِذَا أَخَذَتْ بِجَمِيعِ الِاعْتِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّا يُحَقِّقُ تَعْظِيمَ شَعَائِرِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهَا سَبِيلٌ لِأَدَاءِ الْيَمِينِ سِوَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الِاضْطِرَارِ، وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُولُ:-

(الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ) الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ لِلْإِمَامِ ابْنِ نُجَيْمٍ (73).

وَلِأَنَّ حَاجَتَهَا نُنَزِّلُهَا مَنْزِلَةَ الضَّرُوةِ، وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُولُ:-

(الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً) الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ لِلْإِمَامِ السُّيُوطِيِّ (88).

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ أَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ الْمُرَقَّمَةِ (2، 2859، 2890) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْأَغَرِّ.

وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَبَارَكَ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْحِكَمِ.