4/5/2026

نص السؤال:

السلام عليكم سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.

اسأل الله تعالى ان ‏يمد في عمركم مع تمام الصحة والعافية، ويهيأ لكم اسباب التمكين لنشر الخير وهدايات العمل الروحي الإسلامي.

سيدي في حفل تخرج دورة إعداد الدعاة (دورة النور) شرفتم خريجي هذه الدورة بإذن مبارك منكم، ما نصه “وبالسند الموصول إلى حضرة سيدنا الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، أذنتُ لهذه الكوكبة الطيبة المباركة من أبنائكم بواجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى “.

وكوني أحد خريجي هذه الدورة المباركة، فإن سؤالي حول أهمية هذا الإذن المبارك، وما يترتب عليه من واجبات وحقوق على المأذون له.

 

وجزاكم الله تعالى خير

الاسم: محمد حكم

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ، إِنَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

لَا حَصْرَ لِأَهَمِّيَّةِ الْإِذْنِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَصْلُ الْقَبُولِ وَأَسَاسُ النَّجَاحِ، وَيَتَحَمَّلُ بِمُوجِبِهِ الْمَأْذُونُ مَسْؤُولِيَّةَ التَّرَقِّي بِبَنَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ دَعْوَةَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ثَانِيًا مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعَالَى وَجْهَهُ لَا يَبْتَغِي جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، مُتَطَلِّعًا إِلَى رِضَا رَبِّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، شَاكِرًا إِيَّاهُ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَهُ عَلَى آثَارِ وَخُطَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَكَفَى بِذَلِكَ فَضْلًا وَمَنْزِلَةً.

 

التَّفْصِيلُ:-

قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:-

 {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سُورَةُ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: 1].

 

إِنَّ الْإِذْنَ الْأَوَّلَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ إِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ إِلَى سَادَاتِنَا الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمْ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ-.

 

وَلَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي آيَاتٍ عِدَّةٍ لِبَيَانِ أَهَمِّيَّتِهِ وَضَرُورَةِ وُجُودِهِ.

قَالَ جَلَّ وَعَلَا:-

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 45-46].

 

وَكُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَصْرِيحٍ وَإِذْنٍ؛ أَلَا تَرَى يَا رَعَاكَ اللَّهُ كَيْفَ أَنَّ الْوَظَائِفَ وَالْمَصَالِحَ وَالِاخْتِصَاصَاتِ الْعَمَلِيَّةَ لَا يُمَارِسُهَا أَصْحَابُهَا إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّةِ بِذَلِكَ الْمَجَالِ!!!

فَكَيْفَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ الَّتِي بِهَا يَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

وَلِمَزِيدِ اطِّلَاعٍ حَوْلَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (2799) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.

 

وَهَكَذَا فَالرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- مَنَحَ هَذَا الْإِذْنَ لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ- وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْإِذْنُ فِي الْأُمَّةِ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ الصَّحِيحِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، سَنَدٌ كَرِيمٌ كَمَا السَّنَدُ الْمَعْلُومُ فِي رِوَايَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَوِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ.

 

وَلْنَتَفَكَّرْ سَوِيَّةً فِي بَرَكَةِ وَأَثَرِ الْإِذْنِ الشَّرِيفِ الَّذِي مَنَحَهُ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلُهُ وَصَحْبُهُ الْكِرَامُ- لِسَيِّدِنَا مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ- حِينَ بَعَثَهُ شَابًّا يَافِعًا إِلَى يَثْرِبَ الْمَلِيئَةِ بِالْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَخَاصِمَةِ، فَجَاءَ هَذَا الشَّابُّ لَا يَحْمِلُ وُعُودًا بِمَنْحِ الْمَالِ وَالْعَقَارَاتِ، وَلَمْ يَحْمِلْ تَسْجِيلًا صَوْتِيًّا لِحَضْرَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- أَوْ حَتَّى صُورَةً لِحَضْرَتِهِ، بَلْ خَاطَبَ النَّاسَ بِقُوَّةِ الْإِذْنِ الْمَمْنُوحِ لَهُ، الْمُمْتَلِئِ بِالنُّورِ وَالْحِكْمَةِ وَقُوَّةِ التَّأْثِيرِ.

قَالَ عُلَمَاءُ السِّيرَةِ -رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ:-

(أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِهِ – يَقْصِدُ سَيِّدَنَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – يَوْمًا يُرِيدُ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، فَدَخَلَا فِي حَائِطٍ (بُسْتَانٍ) مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ، وَجَلَسَا عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا بِئْرُ مَرَقٍ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ – وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمَئِذٍ عَلَى الشِّرْكِ -، فَلَمَّا سَمِعَا بِذَلِكَ قَالَ سَعْدٌ لِأُسَيْدٍ: اذْهَبْ إِلَى هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا فَازْجُرْهُمَا، وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَفَيْتُكَ هَذَا. فَأَخَذَ أُسَيْدٌ حَرْبَتَهُ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ قَالَ لِمُصْعَبٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ.

 وَجَاءَ أُسَيْدٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَيْنَا؟ تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، فَقَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ.

 قَالَ: فَوَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَفِي إِشْرَاقِهِ وَتَهَلُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ؟ كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ، وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ وَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثَوْبَهُ، وَتَشَهَّدَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنْ تَبِعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْشِدُهُ إِلَيْكُمَا الْآنَ – سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ – ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ فِي قَوْمِهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ.. ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا.. وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدٌ مِنْ وَرَائِهِ قَوْمُهُ، إِنْ يَتَّبِعْكَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ مُصْعَبٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: أَوَ تَقْعُدُ فَتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ: قَدْ أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ فَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فِي إِشْرَاقِهِ، وَتَهَلُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَسْلَمْتُمْ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ، وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ.

فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَا: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ..) السِّيرَةُ لِابْنِ هِشَامٍ (1/437).

 

وَظَلَّ سَيِّدُنَا مُصْعَبٌ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ- قُرَابَةَ عَامٍ فِي يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ) يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُعَلِّمُهُمْ أُمُورَ دِينِهِمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- يُبَشِّرُهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ، فَفَرِحَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- بِعَوْدَتِهِ، وَبِمَا فَتَحَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ عَلَيْهِ، فَرَحًا عَظِيمًا. وَلَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ الْكَرِيمُ -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ- ثَمَرَةَ تِلْكَ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ حِينَ وُصُولِهِ يَثْرِبَ – الَّتِي تَنَوَّرَتْ بِمَقْدَمِهِ فَغَدَتِ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ – فَقَدْ وَجَدَ النَّاسَ فِي انْتِظَارِ حَضْرَتِهِ فَرِحِينَ يَحْدُوهُمُ الْحُبُّ وَالشَّوْقُ وَالْإِيمَانُ بِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ.

 

فَعَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ- قَالَ:-

(أَوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنَا مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ، وَبِلَالٌ، وَسَعْدٌ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ، فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ، يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَ فَمَا جَاءَ، حَتَّى قَرَأْتُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ.

الْوَلَائِدُ: جَمْعُ وَلِيدَةٍ، وَهِيَ الصَّبِيَّةُ وَالْأَمَةُ.

إِنَّ أَصْحَابَ الدَّعَوَاتِ الْأَرْضِيَّةِ يُنْفِقُونَ الْأَمْوَالَ الطَّائِلَةَ عَلَى الدِّعَايَةِ وَالنَّشْرِ وَشِرَاءِ الذِّمَمِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ وَسَائِلَ لِغَرَضِ تَرْسِيخِ أَفْكَارِهِمْ فِي النَّاسِ دُونَ جَدْوَى، وَمَنْ تَأَثَّرَ بِهِمْ سُرْعَانَ مَا يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ فَشَتَّانَ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَتِلْكَ الصُّورَةِ الْمُشْرِقَةِ الْبَهِيَّةِ الَّتِي رَسَمَتْ وَمَا زَالَتْ تَرْسُمُ لِلْبَشَرِيَّةِ طَرِيقَ النَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

إِنَّ الَّذِي يَتَشَرَّفُ بِالْحُصُولِ عَلَى هَذَا الْإِذْنِ الْمُبَارَكِ لَا بُدَّ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ؛ فَعَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَرْقَى بِنَفْسِهِ رُوحِيًّا وَعِلْمِيًّا لِيَمْتَلِكَ وَسَائِلَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (2801) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ.

وَعَلَيْهِ ثَانِيًا أَنْ يُشَمِّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ لِدَعْوَةِ أَهْلِهِ وَأَحْبَابِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ إِلَى هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ عَلَى وَفْقِ هِدَايَاتِ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالصَّبْرِ؛ لِأَنَّهَا مَفَاتِيحُ الْقَبُولِ وَالنَّجَاحِ.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (3151) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْكَرِيمِ.

 

وَإِنَّ مِنْ مُقَوِّمَاتِ نَجَاحِ الدَّاعِيَةِ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَبْتَغِي حُقُوقًا مَادِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً. قَالَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ:-

{يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سُورَةُ سَيِّدِنَا هُودٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: 51].

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ (مُحَاضَرَاتِ الْإِخْلَاصِ) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.

 

وَاللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خَيْرِ دَاعِيَةٍ وَمُعَلِّمٍ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.