24/8/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.

أَنَا أَقَعُ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِي؛ لَقَدْ أَصْبَحْتُ أَشُكِّكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالْإِسْلَامِ، مَعَ أَنِّي دَخَلْتُ سَابِقًا فِي شَكٍّ بِوُجُودِ اللهِ، لَكِنْ بَعْدَهَا أَيْقَنْتُ بِوُجُودِ الْإِلَهِ، وَدَخَلْتُ شَكًّا بِالدِّينِ ثُمَّ عَرَفْتُ أَنَّهُ دِينُ الْحَقِّ، وَالْآنَ دَخَلْتُ فِي شَكِّ الْمَذَاهِبِ، وَهَذَا أَصْعَبُ شَيْءٍ أَمُرُّ بِهِ.

الاسم: سائل

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

شُكْرًا لَكَ عَلَى تَوَاصُلِكَ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ المَيْمُونِ، وَبَارَكَ اللهُ فِيكَ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ.

 

الْجَوَابُ باختصار-:

الشُّكُوكُ الْفِكْرِيَّةُ فِي الدِّينِ وَفِي الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ هِيَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ الَّتِي تَصُدُّ الْعَبْدَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ لَا يَسْتَرِسِلَ مَعَهَا، وَأَنْ يُعْرِضَ عَنْهَا وَيَتَعَوَّذَ مِنْهَا.

وَالْمَذَاهِبُ الْإِسْلَامِيَّةُ هِيَ مَحْصَلَةُ آرَاءِ وَاجْتِهَادَاتِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى الْمُسْتَنَبَطَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

 

التَّفْصِيلُ:-

قَالَ تَعَالَى:-

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].

قَالَ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:-

(وَهَذَا تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ عِنْدَ نَزْغِ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّ الْمُتَّقِينَ هَذِهِ عَادَتُهُمْ: إِذَا أَصَابَهُمْ أَدْنَى نَزْغٍ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِلْمَامٌ بِوَسْوَسَتِهِ تَذَكَّرُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، فَأَبْصَرُوا السَّدَادَ وَدَفَعُوا مَا وَسْوَسَ بِهِ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ أَنْفُسَهُمْ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/191).

قَالَ سيّدُنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

قَالَ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:-

(وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِيَنْتَهِ أَيْ: لِيَتْرُكِ التَّفَكُّرَ فِي هَذَا الْخَاطِرِ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، فَإِنْ لَمْ يَزَلِ التَّفَكُّرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ فَلْيَقُمْ وَلْيَشْتَغِلْ بِأَمْرٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّأَمُّلِ وَالِاحْتِجَاجِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْمُوجِدِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يَقْبَلُ الْمُنَاظَرَةَ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ فِي مِثْلِهِ إِحْسَاسُ الْمَرْءِ فِي عَالَمِ الْحِسِّ، وَمَا دَامَ هُوَ كَذَلِكَ لَا يَزِيدُ فِكْرُهُ إِلَّا زَيْغًا عَنِ الْحَقِّ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَلَا عِلَاجَ لَهُ إِلَّا اللَّجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَالِاعْتِصَامُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. وَقَالَ الْمَازَرِيُّ: الْخَوَاطِرُ عَلَى قِسْمَيْنِ: فَالَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ وَلَا تَجْلِبُهَا شُبْهَةٌ هِيَ الَّتِي تُدْفَعُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَعَلَى هَذَا يَنْزِلُ الْحَدِيثُ، وَعَلَى مِثْلِهَا يُطْلَقُ اسْمُ الْوَسْوَسَةِ، وَأَمَّا الْخَوَاطِرُ الْمُسْتَقِرَّةُ النَّاشِئَةُ عَنِ الشُّبْهَةِ فَهِيَ لَا تَنْدَفِعُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ) عمدة القاري: (15/172).

وَأَمَّا الْمَذَاهِبُ الْإِسْلَامِيَّةُ، فَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمَذَاهِبَ هِيَ ثَمَرَةُ اجْتِهَادَاتِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَالَّذِينَ بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي فَهْمِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا وَفْقَ أُصُولٍ عِلْمِيَّةٍ وَضَوَابِطَ دَقِيقَةٍ، وَهِيَ مَدَارِسُ عِلْمِيَّةٌ حَفِظَتْ لِلْأُمَّةِ تُرَاثَهَا الْفِقْهِيَّ.

وَأُوصِيكَ يَا بُنَيَّ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ:-

لَا تَقْلَقْ مِنَ الْعَارِضِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ غَيْمَةٌ تَزُولُ بِالذِّكْرِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْوَسْوَاسِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَلُزُومِ صُحْبَةِ الْأَخْيَارِ.

وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ أَصْلَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَأَصْلَ اتِّبَاعِهَا، وَكَيْفَ يُوَفِّقُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صلواتُ ربي وسلامُه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ تَقْلِيدِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فِي أَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ الْمُرَقَّمَةِ (2918، 2143، 1869) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ؛ فَأَرْجُو مُرَاجَعَتَهَا.

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.