12/9/2026

نص السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السؤال بارك الله فيكم عن نقل للإمام ابن عابدين رحمه الله في في حاشيته يقول: لابأس بوضع الجماجم في الزرع والمبطخة -وهي موضع زراعة البطيخ- لدفع ضرر العين؛ لأن العين حق تصيب المال والآدمي والحيوان ويظهر أثره في ذلك عرف بالاثار؛ فإذا نظر الناظر في الزرع يقع نظره أولاً على الجماجم لارتفاعها؛ فنظره بعد ذلك إلى الحرث لا يضره. روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقالت: نحن من أهل الحرث وإنا نخاف عليه العين، فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يجعل فيه الجماجم. انتهى.

المراد بارك الله تعالى بكم تعيين المقصود بالجماجم هنا. نظرا لان ما ذكره الإمام ابن عابدين رحمه الله هو نص لحديث في مراسيل أبي داود  ومسند البزار وسنن البيهقي الكبرى. والحديث فيه إرسال وبعض الرواة فيهم ضعف، ونص الرواية: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عندما قدم المدينة قال: يا معشر قريش إنكم بأقل الأرض مطراً فاضربوا فإن الحرث فيه مبارك وأكثروا فيه من الجماجم. وأيضاً روي مرسلاً أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر بالجماجم أن تجعل في الزرع. وذكر الرواة لأنها ترد العين. أو من أجل العين. وأيضاً يروى عن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عبد الرحمن أنه كان يجعل جماجم الإبل في حرثه ويأمر بها ويقول إنها ترد العين.

وهذه الرواية المقطوعة كأنها تعين أن المراد جماجم أو رؤوس الحيوانات.

أما كتب اللغّة ذكرت في معنى كلمة الجماجم عدة معاني منها أنها القدح من الخشب يقال أن هذا يسمى جمجمة وأيضاً ينسب إلى دير الجماجم الواقعة في الواقعة المشهورة في العراق.  أنه كان يعمل به أقداح الخشب لذلك سمي بهذا الاسم. وأيضاً يقال أن الجمجمة يعني سادة الناس أو يعني رؤوس الناس يسموا بالجمجمة وورد حديث عن عمر رضي الله عنه: “ائت الكوفة فإن بها جمجمة العرب” أي سادات العرب. ويقال أيضاً الجمجمة هي المحراث. وذكروا في النهاية ولسان العرب حديث عن يحيى بن محمد بدون إسناد “أنه لم يزل يرى الناس يجعلون الجماجم في الحرث” ثم فسروا وقالوا هي الخشبة التي تكون في رأس سكة الحرث. يعني المحراث.

المطلوب بارك الله فيكم تعيين المراد بالجمجمة في هذا النقل.

وعلى اعتبار أنها جماجم الحيوانات فهل يصح ما يفعله الناس من تعليق رؤوس الحيوانات على الزرع والبيوت. أو فيما معنى الجماجم كالقرون. وأيضاً أكرمكم الله فرداً من النعال. ليس باعتقاد النفع والضر ولكن بغرض أن ترد عين الحاسد، أو يقع نظر الحاسد عليها أولاً فلا يضر بعد ذلك إذا نظر إلى الزرع أو البيت.

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاسم: أيمن أحمد إمبابي

 

الرَدُّ:-

وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاته.

سُرِرتُ بتواصُلِكم مع هذا المَوقعِ المَيمونِ، وأسألُه جَلَّ جَلالُه لكم التَّوفيقَ والسَّدادَ؛ إنَّه رَؤوفٌ بالعِبادِ.

الجوابُ باختصارٍ:-

لا يَصِحُّ أن يُقالَ إنَّ تعليقَ جماجمِ الحيواناتِ، أو قُرونِها، أو النِّعالِ أجلكم الله تعالى، لِدَفعِ العَينِ سُنَّةٌ ثابِتةٌ عن سَيِّدنَا رّسُولِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم .

وأمّا ما وَرَدَ في (فتاوى قاضي خان)، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ونَقَلَه عنه الإمامُ ابنُ عابدينَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فالظّاهِرُ من سِياقِه أنَّ المُرادَ بالجماجمِ:-

جماجمُ الحيواناتِ، وليس المُرادُ خَشَبةَ المِحراثِ.

ومَن عَلَّقَ جماجمَ، أو قُروناً، أو غيرَها لِلزِّينَةِ أو العادةِ المجرَّدةِ، من غيرِ اعتقادِ أنَّها تَدفَعُ العَينَ، فلا حَرَجَ في ذلك من هذه الجِهةِ، ما لم يَشْتَمِلْ على مَحضورٍ آخَرَ.

وأمّا الإعتقادُ أنَّها سَبَبٌ لِدَفْعِ العَينِ  بِأنْ تَقَعَ عَينُ العائِنِ عليها أوَّلاً، فَيَنْصَرِفُ نَظَرُه عن المالِ أو الزَّرْعِ  فهذه هي العِلَّةُ التي ذَكَرَها بعضُ الفقهاءِ في خصوصِ الجماجمِ، ولا يَصِحُّ التَّوسُّعُ منها إلى شيءٍ آخَرَ، كالقرونِ والنِّعالِ والحُذُواتِ ونحوِها، لِمُجرَّدِ كَوْنِها تَجذِبُ النَّظَرَ، من غيرِ دَليلٍ أو ثُبوتٍ مُعْتَبَرٍ.

التَّفصيلُ:-

أوَّلاً:- العَينُ حَقٌّ وثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ الصَّحيحةِ.

ثَبَتَ ذلك عن سَيِّدِنَا النبيِّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بقَوْلِه:-

(العَيْنُ حَقٌّ) الإمامُ البخاريُّ رحمه الله تعالى.

وثَبَتَ عَنْهُ صَلَوَاتُ رَبِي وَسَلَامُهُ عَلِيهِ وآلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِين الأَمْرُ بالدُّعاءِ بالبَرَكةِ عندَ رُؤيةِ ما يُعْجِبُ الإنسانَ، كما ثَبَتَتِ الرُّقْيَةُ من العَينِ، ووَرَدَتِ السُّنَّةُ في عِلاجِها والتَّحَرُّزِ منها.

ولِمَزيدٍ من الفائدةِ يُرْجَى مُراجَعةُ أجْوِبةِ الأسئلةِ المُرَقَّمةِ:(4، 30، 447) في هذا المَوقِعِ المُبارَكِ.

ثانياً:- حديثُ نَصْبِ الجماجمِ في الزَّرْعِ

وَرَدَ عن سيِّدِنا عليٍّ رضي الله تعالى عنه وعنكم:

(أنَّ  النبيَّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أَمَرَ بالجماجمِ أنْ تُنْصَبَ في الزَّرْعِ، فقيلَ: مِنْ أَجلِ ماذا؟ قالَ: مِنْ أَجلِ العَيْنِ) وقد رُوِيَتْ هذه القِصَّةُ من طُرُقٍ، فأخْرَجَها الإمام البَزّارُ في مسندِه، ورُوِيَتْ مُرْسَلَةً عندَ أبي داودَ في «المَراسيلِ»، وذَكَرَها البَيَهَقِيُّ وابنُ أبي الدُّنْيا وغيرُهما رَحِمهَم اللهُ تَعَالَى.

وقد تَكَلَّمَ أهلُ الحديثِ في إسنادِها، فَضَعَّفَها بعضُهم، وقال آخَرونَ إنَّها لا تَصِحُّ، وذَكَرَ بعضُهم أنَّ الطَّريقَ المَرفوعَ فيها مُنْقَطِعٌ.

قال الإمام البَزّارُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَقِبَ رِوايتِه ما مَعناه إنَّه لا يَحْفَظُه من وَجْهٍ مُتَّصِلٍ إلّا بهذه الرِّوايةِ، وقد تَكَلَّمَ أهلُ العِلمِ في إسنادِها.

وعليه: فلا يَصِحُّ أنْ نَنْسُبَ إلى  سَيِّدِنَا النبيِّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم على سَبيلِ الجَزْمِ أنَّه أَمَرَ بِنَصْبِ جماجمِ الحيواناتِ لِدَفْعِ العَينِ.

وَمِنْ هُنا يَنبَغي التَّفْريقُ بينَ أمْرَيْنِ:-

  • ثُبوتُ العَيْنِ:- وهذا ثابِتٌ بالأحاديثِ الصَّحيحةِ.
  • ثُبوتُ كَوْنِ الجماجمِ وَسيلةً لِدَفْعِ العَينِ بالسُّنَّةِ:-  وهذا لم يَثْبُتْ بحديثٍ صَحيحٍ مَرْفوعٍ.

ثالثاً:- نَقَلَ الإمامُ ابنُ عابدينَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هذا الحُكْمَ عن «الخانِيَّةِ»، فقالَ:

(وفيها: لا بَأْسَ بِوَضْعِ الجماجمِ في الزَّرْعِ والمَبْطَخَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ العَيْنِ…) ردُّ المُحتارِ: (6/364).

المَبْطَخَةِ: مُوضِعِ البَطِيخِ ومَنْبَتهُ.

وأصْلُ النَّصِّ في «فتاوى قاضي خان»، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى حيث قالَ:

(ولا بَأْسَ بِوَضْعِ الجماجمِ في الزَّرْعِ والمَبْطَخَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ العَيْنِ؛ لأنَّ العَيْنَ حَقٌّ تُصيبُ المالَ والآدَمِيَّ والحيوانَ…) فتاوى قاضي خان: (3/261).

ثم بَيَّنَ وَجْهَ ذلك بأنَّ الجماجمَ تكونُ مُرْتَفِعَةً، فإذا نَظَرَ النّاظِرُ إلى الزَّرْعِ وقَعَ بَصَرُه أوَّلاً عليها.

وقد يَتَبادَرُ من لَفْظِ «الجماجم» أنَّها رُؤوسُ الحيواناتِ، وهذا هو الظّاهِرُ من سِياقِ كَلامِ قاضي خان؛ إذ وَصَفَها بالارتفاعِ الذي يَجعلُ نَظَرَ النّاظِرِ يَقَعُ عليها قَبْلَ الزَّرْعِ.

وَيُؤَكِّدُ ذلك الأثَرُ الذي نَقَلَه الإمامُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ابنِ عبدِ الحَكَمِ:

(رَأَيْتُ سَعْدَ بنَ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ يَجعلُ جماجمَ الإبِلِ في حَرْثِه، ويَأْمُرُ بها، ويقولُ: إنَّها تَرُدُّ العَيْنَ) إتحافُ المَهَرَةِ: (11/ 585).

وهذا أثَرٌ عن أحدِ التّابِعينَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ، وليس حديثاً مَرْفوعاً إلى إلى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَالَى عَلَيِه وآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِمْ، لكنَّه يَدُلُّ دِلالةً ظاهِرةً على أنَّ جماجمَ الإبِلِ كانت تُجْعَلُ في الحَرْثِ لِدَفْعِ العَينِ عندَ بعضِ السَّلَفِ.

رابعاً:- لَفْظَ «الجماجم» ليس خاصّاً في اللُّغَةِ برُؤوسِ الحيواناتِ؛ فقد جاءَ في حديثٍ آخَرَ تَفْسيرُ الجماجمِ بأنَّها شيءٌ من آلةِ الحَرْثِ.

قال ابنُ الأثيرِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في النِّهايةِ في غريبِ الحديثِ والأثَرِ:-

(وفي حديثِ يَحْيَى بنِ مُحمَّدٍ: أَنَّه لَمْ يَزَلْ يَرَى النّاسَ يَجْعلونَ الجماجمَ في الحَرْثِ؛ هي الخَشَبَةُ التي تكونُ في رأسِها سِكَّةُ الحَرْثِ) (النِّهاية: (1/ 320).

وقال ابنُ مَنْظورٍ رَحِمهُ اللهُ تَعَالَى في لِسانِ العربِ بالمَعْنى نَفْسِه مادَّة “جمم” (12/ 110).

وهذا يُفيدُ أنَّ لَفْظَ الجماجمِ اسْتُعْمِلَ في العَربِيَّةِ لِمَعانٍ مُتعدِّدةٍ، وليس مَعْناه دائماً جماجمَ الحيواناتِ.

لكنْ لا يَنبَغي أنْ نَجعلَ هذا الاحتمالَ اللُّغَوِيَّ صارِفاً لِكَلامِ قاضي خان رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عن ظاهِرِه؛ مع التَّنْبيهِ إلى أنَّ لَفْظَ الجماجمِ له اسْتِعْمالاتٌ لُغَوِيَّةٌ أُخْرَى.

خامساً: هل وَضْعُ جماجمِ الحيواناتِ لِدَفْعِ العَينِ مَشْروعٌ؟

نَصَّ قاضي خان رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى على أنَّه:-

(لا بَأْسَ بِوَضْعِ الجماجمِ في الزَّرْعِ والمَبْطَخَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ العَيْنِ).

والذي يَظْهَرُ من تَعْليلِه أنَّه لم يَعْتَبِرِ الجمجمةَ مُؤثِّرَةً بذاتِها، وإنَّما نَظَرَ إليها باعتبارِها شيئاً مُرْتَفِعاً يَلْفِتُ نَظَرَ العائِنِ، فَيَنْصَرِفُ نَظَرُه إليها قَبْلَ وُقوعِه على الزَّرْعِ.

وهذا مُهِمٌّ في فَهْمِ كَلامِه؛ لأنَّ إثباتَ التَّأثيرِ الذّاتِيِّ للجمجمةِ أو غيرِها لا يَجوزُ.

فإنِ اعْتَقَدَ الإنسانُ أنَّ الجمجمةَ تَدفَعُ العَينَ بذاتِها، أو أنَّ لها قُوَّةً خَفِيَّةً مُسْتَقِلَّةً في دَفْعِ الضَّرَرِ، فهذا اعتقادٌ باطِلٌ؛ لأنَّ الضَّرَّ والنَّفْعَ بيَدِ اللهِ سُبحانَه وتعالى.

أمّا إذا اعْتَقَدَ أنَّها سَبَبٌ؛ بِمَعْنى أنَّ العائِنَ إذا نَظَرَ إليها أوَّلاً انْصَرَفَ نَظَرُه عن المالِ أو الزَّرْعِ، فهذه هي الجِهَةُ التي ذَكَرَها قاضي خان رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، في تَعْليلِ الجَوازِ.

سادساً:- لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ بِمُجرَّدِ القِياسِ:-

إذا جازَ وَضْعُ الجماجمِ لِدَفْعِ العَينِ جازَ تعليقُ القَرْنِ أو فَرْدَةِ النَّعْلِ أو الحُذْوةِ أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي تَجذِبُ النَّظَرَ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ في ثُبوتِ كَوْنِه سَبَباً مُعْتَبَراً، ومِنْ ثَمَّ فلا يَصِحُّ نِسْبَةُ تعليقِ القرونِ أو النِّعالِ لِدَفْعِ العَينِ إلى السُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ، أما إنْ عُلِّقَتِ النَّعْلُ لِلزِّينَةِ أو العادةِ، من غيرِ اعتقادِ دَفْعِ العَينِ بها، فلا حَرَجَ في ذلك من هذه الجِهَةِ، ما لم يَتَرَتَّبْ على ذلك مَحْظورٌ آخَرُ.

سَابِعًا: وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِالْمَوْضُوعِ مَا تَعَارَفَ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُونَ مِنْ وَضْعِ شَوَاخِصَ عَلَى هَيْئَةِ الْبَشَرِ، تُ لْبَسُ الْمَلَابِسَ وَالْقُبَّعَاتِ، وَتُثَبَّتُ فِي أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الزَّرْعِ، وَتَكُونُ عَادَةً مُرْتَفِعَةً؛ فَإِذَا رَأَتْهَا الطُّيُورُ خَافَتْ وَنَفَرَتْ بَعِيدًا.

واللهُ سُبحانَه وتعالى أعلَمُ.

وصلَّى اللهُ تعالى على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وصَحْبِه وسلَّمَ.