28/9/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سيدي، أسأل الله أن يبارك في علمكم ووقتكم، وينفع بكم، ويكتب لكم الأجر والتوفيق. جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم.
سبق أن حدثتك عن أم زوجي عندما أحضرت ملابس طفل متوفى لطفلي. وما زلت لا أطمئن إلى ترك صغيري، فهو بعمر 8 أشهر ويعتمد على الرضاعة الطبيعية، ولا أرتاح لتركهُ وحده معهم، فكيف إذا أرادوا أخذه دوني؟
عندما أرفض تحدث مشكلة، ويضغط زوجي عليّ، ولا يفهم سبب خوفي وحرصي، ويقول: «مرة ثانية يأخذونه وحدهم». وقد أدى ذلك إلى خلافات وجفاء بيننا، لأنه لا يسمع مني فقط منهم ، ويتأثر بكلام أهله الذين يقولون إنني أفتعل المشاكل.
والله وبالله ما افتعلت مشكلة، وإنما يضعونني أمام الأمر الواقع. أنا أحترم أهله وأقدرهم، لكن لا أقبل أن تُفرض عليّ أمور تخص طفلي أو أن أشعر بأنني لا أملك حقًا في أمومته.
كما أنني لا أستطيع إقناع زوجي بالسكن المستقل رغم قدرته، خوفًا من غضب والديه ولا يريد تركهما، وقد تدخلوا في حياتنا وقراراتنا الزوجية.
سيدي، والله تعبت من هذه المشاكل ومن شعوري بأن زوجي يُحرَّض عليّ، وأخشى أن يؤثر ذلك في بيتنا وتربية طفلنا.
أرجو إرشادي: ما الذي يحق لي شرعًا طلبه من زوجي؟ وكيف أتعامل مع رغبتهم في أخذ طفلي أو الخروج به دوني؟ وهل رفضي يُعد عقوقًا أو افتعالًا للمشاكل؟ وكيف أتعامل مع تدخل أهله،في قراراتنا الزوجية؟ رغم استعنت سابقا في “لجنة عش الزوجية” وأيضا حدثت مشكلة لأن والد زوجي قال لا احد يتدخل في بيتي ،، وأرجو من حضرتكم، سيدي، أن يبقى ما ذكرته لكم سرًّا وأمانة بيني وبينكم، وألا يُنقل كلامي أو يُرسل إلى أي شخص، حتى لو كان بقصد الإصلاح؛ لأن نقل الكلام قد يزيد المشكلة ويؤدي إلى سوء فهم أكبر. أنا ألجأ إليكم طلبًا للنصيحة والتوجيه فقط، وأثق بحكمتكم، وأتمنى أن ترشدوني إلى الحل دون أن يعرف أحد بما ذكرته لكم أو أن يُنقل كلامي كما هو.
لا أريد ظلم أحد أو قطع الرحم، وإنما أريد حلًا يرضي الله ويحفظ كرامتي وبيتي، ويجعل لكل شخص حدوده وحقوقه.
أعتذر عن الإطالة، جزاكم الله عني خير الجزاء، وحفظكم الله وبارك فيكم، وجعل نصحكم سببًا في إصلاح الحال وتهدئة النفوس..
الاسم: سائلة
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى تَعَلُّقِكِ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْمَوْقِعِ الطَّيِّبِ، وَثِقَتِكِ الْكَرِيمَةِ، وَأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُصْلِحَ حَالَكِ، وَيُؤَلِّفَ بَيْنَكِ وَبَيْنَ زَوْجِكِ، وَيَحْفَظَ طِفْلَكُمَا، وَأَنْ يُوَفِّقَ الْجَمِيعَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ سُبْحَانَهُ.
أَنْصَحُكِ بِٱلصَّبْرِ وَالْحِكْمَةِ، فَهُمَا دِعَامَتَا الثَّبَاتِ وَالنَّجَاةِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ أَمَّا حِرْصُكِ عَلَى طِفْلِكِ الرَّضِيعِ فَلَا يَجْعَلُكِ عَاقَّةً وَلَا مُفْتَعِلَةً لِلْمَشَاكِلِ، مَا دُمْتِ لَا تَقْصِدِينَ قَطْعَ صِلَتِهِ بِأَهْلِهِ أَوْ الْإِسَاءَةَ إِلَيْهِمْ.
وَالْأَصْلُ أَنْ يَتَفَاهَمَ الزَّوْجَانِ عَلَى طَرِيقَةٍ تَحْفَظُ وَتُرَاعِي مَصْلَحَةَ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ، وَتَحْفَظُ لِلْأُمِّ طُمَأْنِينَتَهَا، مَعَ بَقَاءِ صِلَةِ الطِّفْلِ بِأَهْلِ أَبِيهِ.
كَمَا أَنَّ بِرَّ الزَّوْجِ بِوَالِدَيْهِ لَا يَعْنِي أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ خَاضِعَةً لِتَدَخُّلَاتِهِمْ فِي كُلِّ تَفَاصِيلِهَا، وَلَا أَنْ يُظْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ رِضَا الْأَهْلِ أَوْ غَضَبِهِمْ.
أَوَّلًا: ابْنَتِي الْكَرِيمَةُ، يَنْبَغِي أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ صِلَةِ الطِّفْلِ بِأَجْدَادِهِ وَأَقَارِبِهِ، وَهِيَ أَمْرٌ مَحْمُودٌ وَمَطْلُوبٌ، وَبَيْنَ إِخْرَاجِهِ أَوْ أَخْذِهِ بَعِيدًا عَنْ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مَعَهَا، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ رَضِيعٌ يَعْتَمِدُ عَلَى الرَّضَاعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.
فَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ يُجْعَلَ حَقُّ الْأَجْدَادِ فِي صِلَةِ حَفِيدِهِمْ سَبَبًا لِإِقْصَاءِ أُمِّهِ عَنْهُ أَوْ الضَّغْطِ عَلَيْهَا، كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَخَاوِفُ الْأُمِّ سَبَبًا لِقَطْعِ الطِّفْلِ عَنْ أَهْلِهِ بِلَا سَبَبٍ مُعْتَبَرٍ.
وَإِذَا كَانَ الطِّفْلُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أُمِّهِ لِلرَّضَاعَةِ وَالرِّعَايَةِ، فَيُمْكِنُ تَنْظِيمُ وُجُودِهِ مَعَ جَدَّتِهِ بِمَا يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ؛ كَأَنْ تَكُونَ بِحُضُورِ الْأُمِّ، أَوْ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ، أَوْ عَلَى نَحْوٍ يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ، ثُمَّ يَتَوَسَّعُ الْأَمْرُ مَعَ نُمُوِّ الطِّفْلِ وَاسْتِغْنَائِهِ تَدْرِيجِيًّا عَنْ بَعْضِ حَاجَاتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لَدَى الْأُمِّ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِسَلَامَةِ الطِّفْلِ أَوْ صِحَّتِهِ أَوْ رِعَايَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُبَيِّنَ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا بِوُضُوحٍ وَهُدُوءٍ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الطِّفْلِ وَرِعَايَتَهُ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ وَالِدَيْهِ.
ثَانِيًا: لَا يَظْهَرُ مِنْ مُجَرَّدِ رَفْضِكِ أَنْ يُؤْخَذَ طِفْلُكِ الرَّضِيعُ وَيُخْرَجَ بِهِ دُونَكِ أَنَّكِ عَاقَّةٌ أَوْ أَنَّكِ تَفْتَعِلِينَ الْمَشَاكِلَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْمَى الْإِنْسَانُ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ لِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِهِ فِي أَمْرٍ يَحْتَاجُ إِلَى التَّفَاهُمِ.
لَكِنْ يَنْبَغِي لَكِ أَنْ تَحْرِصِي عَلَى أَنْ يَكُونَ رَفْضُكِ رَفْضًا لِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَا رَفْضًا لِأَهْلِ الزَّوْجِ أَنْفُسِهِمْ؛ فَتَقُولِينَ لِزَوْجِكِ مَثَلًا: إِنَّكِ لَا تُرِيدِينَ مَنْعَ وَالِدَيْهِ مِنَ الطِّفْلِ، وَإِنَّمَا تَرْغَبِينَ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ أَنْ يَكُونَ بِحُضُورِكِ؛ لِأَنَّهُ مَا زَالَ صَغِيرًا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْكِ فِي الرَّضَاعَةِ.
وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الْحِكْمَةِ وَأَبْعَدُ عَنْ تَحْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى خُصُومَةٍ بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَهْلِ زَوْجِكِ.
ثَالِثًا: أَمَّا قَوْلُكِ إِنَّ أَهْلَ الزَّوْجِ يَضَعُونَكِ أَمَامَ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَإِنَّ زَوْجَكِ يَتَأَثَّرُ بِكَلَامِهِمْ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى عِلَاجٍ هَادِئٍ؛ لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ لَا يَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجُ حَيَاتَهُ الزَّوْجِيَّةَ خَاضِعَةً لِرِضَاهُمَا فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ.
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (3403)، وَمَا أُحِيلَ فِيهِ مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
إِنَّ شَرِيعَتَنَا الْغَرَّاءَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُسُسِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
فَالزَّوْجُ مُطَالَبٌ بِأَنْ يَسْمَعَ مِنْ زَوْجَتِهِ كَمَا يَسْمَعُ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَتَثَبَّتَ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَا يَسْمَحَ بِأَنْ تَتَحَوَّلَ الْخِلَافَاتُ الْعَائِلِيَّةُ إِلَى ظُلْمٍ أَوْ سُوءِ ظَنٍّ أَوْ جَفَاءٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
رَابِعًا: وَأَمَّا السَّكَنُ الْمُسْتَقِلُّ، فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَكَانَ السَّكَنُ مَعَ أَهْلِهِ سَبَبًا لِكَثْرَةِ التَّدَخُّلِ وَالْخِلَافِ وَفِقْدَانِ الْخُصُوصِيَّةِ، فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَطْلُبَ مَسْكَنًا مُسْتَقِلًّا يَحْفَظُ حَيَاتَهَا الزَّوْجِيَّةَ وَخُصُوصِيَّتَهَا، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْعَ الزَّوْجِ عَنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَنْعَهُمْ مِنْ زِيَارَتِهِ أَوْ بِرِّهِمْ؛ فَالْسَّكَنُ الْمُسْتَقِلُّ وَسِيلَةٌ مُهِمَّةٌ لِتَقْلِيلِ أَسْبَابِ الْمُنَازَعَاتِ وَالتَّدَخُّلَاتِ، وَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِيجَارِ أَوْ بِعَزْلِ جُزْءٍ مُسْتَقِلٍّ مِنْ دَارِ الْعَائِلَةِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ.
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ الْأَسْئِلَةِ الْمُرَقَّمَةِ (710، 3020، 3216)، وَمَا أُحِيلَ فِيهَا مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
خَامِسًا: وَأَمَّا تَدَخُّلُ أُمِّ الزَّوْجِ أَوْ أَبِيهِ فِي شُؤُونِ الزَّوْجَةِ، فَلَيْسَ مِنْ مُوجَبَاتِ الأحْتِرَامِ وَالْإِكْرَامِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مُلْزَمَةً بِكُلِّ أَمْرٍ يَصْدُرُ مِنْهُمَا، بَلْ يَعْتَمِدُ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ فِي دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ؛ وَلَقَدْ سَبَقَ أَنْ بَيَّنَ الْمَوْقِعُ الْكَرِيمُ هَذِهِ الْهِدَايَاتِ، فَأَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ ذَوَيِ الرَّقْمَيْنِ (652، 628) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنْ تَتَعَامَلَ الزَّوْجَةُ مَعَ أَهْلِ زَوْجِهَا بِالْجَفَاءِ أَوْ النِّدِّيَّةِ، بَلِ الْمَطْلُوبُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ حِفْظِ حَقِّهَا الشَّرْعِيِّ وَحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَهُمْ، وَأَنْ تَخْتَارَ مِنَ الْعِبَارَاتِ أَلْيَنَهَا، وَمِنَ الْأَسَالِيبِ أَحْكَمَهَا.
سَادِسًا: بُنَيَّتِي الْكَرِيمَةُ، لَا تَجْعَلِي قَضِيَّةَ الطِّفْلِ مَعْرَكَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ أُمِّ زَوْجِكِ أَوْ أَبِيهِ؛ فَالطِّفْلُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالْأَجْمَلُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ بَيْنَ الْعَائِلَتَيْنِ.
فَإِنْ طَلَبُوا رُؤْيَةَ الطِّفْلِ أَوْ حَمْلَهُ، فَبَدَلَ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ بِالرَّفْضِ الْمُطْلَقِ، يُمْكِنُ الٱتِّفَاقُ مَعَ الزَّوْجِ عَلَى صُورَةٍ مُنَاسِبَةٍ؛ كَأَنْ يَرَوْهُ بِحُضُورِكِ، أَوْ أَنْ تَحْمِلِيهِ إِلَيْهِمْ، أَوْ أَنْ يَبْقَى مَعَهُمْ مُدَّةً قَصِيرَةً وَأَنْتِ قَرِيبَةٌ مِنْهُ، بِحَسَبِ عُمْرِهِ وَحَاجَتِهِ وَظُرُوفِ الْأُسْرَةِ.
أَمَّا أَخْذُ الطِّفْلِ وَالْخُرُوجُ بِهِ دُونَ عِلْمِكِ أَوْ اتِّفَاقٍ مُسْبَقٍ مَعَكِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى أَمْرٍ مَفْرُوضٍ بِالْقُوَّةِ أَوْ إِلَى وَسِيلَةٍ لِإِذْلَالِكِ أَوْ الضَّغْطِ عَلَيْكِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُعَالَجَ بِالتَّفَاهُمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، مَعَ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الطِّفْلِ أَوَّلًا.
سَابِعًا: وَأَمَّا اسْتِعَانَتُكِ سَابِقًا بِـ (لَجْنَةِ عُشِّ الزَّوْجِيَّةِ)، فَهَذَا أَمْرٌ طَيِّبٌ؛ لِأَنَّ خَادِمَكُمْ لَدَيْهِ مَسْؤُولِيَّاتٌ عَدِيدَةٌ وَكَبِيرَةٌ، وَالْوَاجِبَاتُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا تَسَعُ لِكُلِّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا أُنْشِئَتْ هَذِهِ اللَّجَانُ لِخِدْمَتِكُمْ، فَهِيَ تَمْتَلِكُ مِنَ الْخِبْرَةِ وَالْحِكْمَةِ مَا يَجْعَلُهَا مُؤَهَّلَةً لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُمْكِنُ لِجَنَابِكِ التَّعَاوُنُ مَعَهُمْ مَعَ بَيَانِ ظُرُوفِكِ الْخَاصَّةِ وَالْمِسَاحَاتِ الْمَسْمُوحَةِ لِلتَّدَخُّلِ لِتَحَرِّي الْحِكْمَةِ مَنْعًا لِتَفَاقُمِ الْمُشْكِلَاتِ.
وَلَا يَنْبَغِي لِوَالِدِ الزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ سُبُلَ الْإِصْلَاحِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْخَيْرِ، كَتَدَخُّلِ الْآخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِكْمَةِ وَالدِّينِ وَالْعَقْلِ، مِمَّنْ يَحْفَظُونَ السِّرَّ، وَيَقْصِدُونَ الْإِصْلَاحَ لَا الٱنْتِصَارَ لِطَرَفٍ عَلَى آخَرَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35].
ثَامِنًا: وَأَمَّا طَلَبُكِ أَنْ يَبْقَى مَا ذَكَرْتِهِ سِرًّا وَأَمَانَةً، فَاعْلَمِي أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ يُسْتَشَارُ فِي أُمُورِ النَّاسِ أَنْ يَحْفَظَ أَسْرَارَهُمْ، وَأَلَّا يَنْقُلَ كَلَامَهُمْ بِمَا يَزِيدُ النِّزَاعَ أَوْ يُوقِعُ الضَّرَرَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ الشَّرْعِيَّةُ إِلَى اطِّلَاعِهِ، وَبِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ.
وَأَخِيرًا، أُوصِيكِ أَنْتِ وَزَوْجَكِ بِأَمْرٍ مُهِمٍّ: لَا تَجْعَلَا أَهْلَ الزَّوْجِ طَرَفًا ثَالِثًا فِي كُلِّ خِلَافٍ يَقَعُ بَيْنَكُمَا، وَلَا تَجْعَلَا كُلَّ خِلَافٍ مَعَ أَهْلِ الزَّوْجِ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِلَافٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. فَلْيَكُنْ بَيْنَكُمَا بَابٌ خَاصٌّ لِلْحِوَارِ، تَتَكَلَّمَانِ فِيهِ بِهُدُوءٍ، وَيَبْحَثُ كُلٌّ مِنْكُمَا عَنِ الْحَقِّ لَا عَنِ الٱنْتِصَارِ.
وَأَنْتِ أَيَّتُهَا الْبِنْتُ الْبَارَّةُ، لَا تَجْعَلِي حِرْصَكِ عَلَى طِفْلِكِ سَبَبًا لِلْقَطِيعَةِ مَعَ أَهْلِهِ، وَزَوْجُكِ كَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ بِرَّهُ بِوَالِدَيْهِ سَبَبًا لِلضَّغْطِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ إِلْغَاءِ مَشَاعِرِهَا وَحُقُوقِهَا.
فَأَنْتِ زَوْجَتُهُ، وَهُمْ أَهْلُهُ، وَالْعَدْلُ أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
كَمَا أُوصِيكِ بِقِرَاءَةِ جَوَابِ سُؤَالِكِ السَّابِقِ وَالْحَالِيِّ بِتَمَعُّنٍ، كَذَا قِرَاءَةُ الْإِحَالَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِمَا؛ فَهِيَ مِنْهَاجُ عَمَلٍ وَسُلُوكٍ يَوْمِيٍّ أَسَاسُهُ الصَّبْرُ وَالْحِكْمَةُ لِلْخُرُوجِ مِنْ كُلِّ مُشْكِلَةٍ وَمُعْضِلَةٍ فِي ظِلَالِ الٱعْتِصَامِ بِهِدَايَاتِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ.
أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَكِ وَبَيْنَ زَوْجِكِ، وَأَنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِلْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَأَنْ يَرْزُقَكِ الصَّبْرَ وَحُسْنَ التَّعَامُلِ، وَأَنْ يَحْفَظَ طِفْلَكُمَا وَيُنْبِتَهُ نَبَاتًا حَسَنًا، وَأَنْ يَجْعَلَ وُجُودَهُ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْ بَيْتِكُمْ أَسْبَابَ الشِّقَاقِ وَسُوءِ الظَّنِّ، وَيَجْمَعَكُمْ جَمِيعًا عَلَى الْخَيْرِ وَالْمَوَدَّةِ وَالسَّكِينَةِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.