5-12-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وقرّة عيني نسأل الله تعالى أنْ يجزكم عنّا خير ما يجزي عالمًا عن أمّة الإسلام ويرفع لكم الدرجة والمقام في أعلى عليين بجاه خاتم الأنبياء والمرسلين صلّى الله عليه وسلّم.
السؤال: أيّهما أفضل للسالك ذكر الله تعالى في الفكر أم ذكره جلّ جلاله في الرابطة الشريفة؟
ولكم جزيل الشكر والامتنان.
من: عبد الرزاق علي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكر تواصلك مع الموقع المبارك، ودعواتك الطيبة سائلا المولى القدير أنَّ يكرمك بمثلها وزيادة يحبها لعباده الصالحين، إنَّه سميع قريب مجيب. وبعد:-
فلا تفاضل بين الذكر والرابطة، إذ إنّ الذكر هو الغاية، والرابطة هي الوسيلة للوصول إلى تلك الغاية، فلعلّك تسأل عن فضل الذكر مع الرابطة أم بدونها.
فينبغي أنْ يعلم جنابك كونك من السالكين كما يظهر لي من خلال سؤالك، أنَّ الرابطة الشريفة وسيلة يقوّي بها المريد فكره أو قلبه للوصول إلى أعلى منازل الذكر ومقاماته.
وللاطلاع على معنى الرابطة الشريفة وما يتعلّق بها أرجو مراجعة (باب الذكر والتزكية والسلوك) سيّما أجوبة الأسئلة المرقمة (455، 1180، 1368، 2579) في هذا الموقع المبارك.
وكما هو معلوم في كتاب الله عزّ وجلّ والسنّة النبوية الشريفة المطهّرة وكذا في كتب القوم من أهل الذكر والتربية والسلوك، فإنَّ للذكر ثلاث مراتب:-
الأولى:- وهي الحدّ الأدنى للذكر ويكون باللسان مع الوعي والإدراك بأنّه يذكر الله سبحانه، إذ بدون ذلك لا يعد ذاكرًا بل غافلا وإنْ نطق اللسان، كما قال سيّدنا المصطفى العدنان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الفضل والعرفان:-
(ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.
الثانية:- وهي الحدّ الأوسط للذكر ويكون كذلك باللسان ولكن يسبقه فكر ذاكر، أي يكون اللسان تابعًا للفكر الذاكر ذكرًا قويًّا.
ومثالهما التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار والصلاة على النبيّ عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلوات وأتمّ التسليم، قال ربنا جلّ جلاله:-
{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [سورة طه: 130].
وقال سبحانه:-
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [سورة غافر: 55].
وفي الحديث الشريف:-
(أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أُحْسِنُ الْقُرْآنَ فَهَلْ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي، فَعَقَدَهُنَّ الرَّجُلُ فِي يَدِهِ عَشْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ خَيْرًا) الإمام أبو داود رحمه المعبود سبحانه.
الثالثة:- وهي الحدّ الأعلى للذكر حيث تنفرد قوّة الفكر بذكر الله تقدست أسماؤه بمعزل عن آلة الصوت أو اللسان، قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [سورة الأعراف: 205].
ومعارج ذكر الله عزّ وجلّ لا تنتهي عند هذا الحدّ إنّما هو منزل يعرج منه الذاكر إلى مقام الإحسان، وهو صنف آخر من الذكر يكون بقوّة القلب وحده دون الفكر. ولمزيد من المعرفة أرجو مراجعة الصفحات (289 – 301) من كتاب:-
(معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي) لسيّدي حضرة الشيخ عبد الله طيب الله تعالى روحه وذكره وثراه.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد، وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.