2020-12-10
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أتمنى أنْ تكونوا بخير… وجزاكم الله خير الجزاء.
سيّدي الحبيب… ما حقيقة الحلاج، وهل صحيح أنّه قال ما في الجبة إلّا الله (تبارك وتعالى)، وهل صحيح أنّ كبار علماء عصره رضي الله عنهم وعنكم وقعوا على قتله.
وكذلك ما حقيقة ابن عربي، وهل قال بوحدة الوجود والحلول والاتحاد… أرجوكم الدعاء وندعو لكم بكلّ خير.
وجزاكم الله خيرا.
من: المعتز
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركم على تواصلكم ودعائكم، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ ينعم علينا جميعا بخير الدنيا والآخرة إنه سبحانه أكرم مَن سُئِلَ، وهو الجواد الكريم.
قال الملك العظيم جلّ ثناؤه:-
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة البقرة:141].
فالأولى بالمسلم أنْ ينشغل بنفسه وما يصلحها ويقرّبها من ربّه، فإنّ الله جلّ جلاله سوف لن يسأله إلّا عن نفسه، وما عمل في حياته، فلو آمن الناس جميعا وكفر شخص ما كان هذا بنافعه شيئا، ولو كفر الناس وآمن شخص ما كان هذا بضارّه شيئا، قال عزّ من قائل:-
{— وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة يس: 54].
وقال:-
{— كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [سورة الطور: 21].
وهذا لا يعني أنّ المسلم لا يدافع عن دين الإسلام ببيان الخطأ أو الضلال بالحكمة والموعظة الحسنة وتعيين شخصيات الهوى والانحراف.
ولكن في تاريخ الإسلام شخصيات كثيرة كثر الخلاف فيها ما بين قادح ومادح، وحسن الظنّ بالنّاس عمومًا، وبأهل العلم والفضل خصوصًا أولى ما دامت هناك دلائل صلاح وتقوى وشهرة بالصلاح بين النّاس.
ولا يعني معنى الآية أو هذا الكلام أنّ الإنسان لا يتحمّل مسؤولية الآخرين مطلقا؛ إذ إنّ الله جلّ في علاه يسأله عمّا استرعاه بحسب حاله، قال حضرة النبيّ المكرّم صلّى الله تعالى عليه وسلّم وآله وصحبه ومَن على طريقته أقدم:–
(كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) الإمام البخاري رحمه ربنا الباري تنزّهت ذاته.
لكن المعنى أنّ المرء يترك ما لا خطر عليه في دينه، وما لا شأن له به.
وقد قال حضرة معلِّم البشرية ومنقذ الإنسانية أحمد الحامدين سيّدنا محمّد المصطفى الأمين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ) الإمام الترمذي رحمه ربنا القوي تنزه اسمه.
وعندما سئل سيّدنا عمر بن عبد العزيز عمّا جرى بين الصحابة رضوان الله جلّ شأنه عليهم جميعًا قال جملة أصبحت منهجًا عند أهل الحق رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(تلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ يَدِي مِنْهَا؛ فَمَا لِي أُخضبُ لِسَانِي فِيْهَا؟) المجالسة وجواهر العلم للدينوري رحمه الله سبحانه (5/149).
والأفضل للمسلم أنْ ينشغل بدعوة النّاس إلى طريق الهداية، لأنّ طرق أهل الضلال قد كثرت، كَمَنْ يدّعي وحدة الوجود -المسؤول عنها- وظهورها في اليابان وغيرها.
فينبغي لمن يخاف الله جلّت عظمته أنْ لا يكفِّر أحدًا من أهل القبلة بكلام يصدر عنه يحتمل التأويل، فإنّ الطعن في عقائد المسلمين جراءة عظيمة واقتحام لأمر خطير، ولا يسارع به إلّا جاهل، وقاني الله عزّ كماله وإيّاكم هذا المرتع الوخيم.
ومعنى الحلول: اعتقاد أنّ الله تقدّس وعلا يحلّ في بعض مخلوقاته، كاعتقاد النصارى حلوله تنزّهت ذاته في سيّدنا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ومعنى الاتحاد: اعتقاد اتحاد الله عزّ وجلّ بمخلوقاته، أو ببعضها .
ومعنى وحدة الوجود: اعتقاد أنّ الله تقدّست ذاته حالٌّ في الطبيعة، أو أنّ الموجود بالذات هو الله جلّت صفاته، أو أنّ الكون المادي هو الموجود الوحيد الأزلي الأبدي يجدّد نفسه بنفسه.
وهذه العقائد تناقض عقيدة الإسلام بإجماع الأمّة.
ولزيادة الفائدة في معناها والرد عليها يُرجى مراجعة كتاب معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لسيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي جزاه الله تعالى عنّا وعن المسلمين خير الجزاء ص261 وما بعدها.
ويجب أنْ ينتبه المسلم إلى مرامي الدعوات والأفكار التي يروّج لها أعداء الإسلام بمقاصد بعيدة المدى لتدمير حضارته من خلال استغلال مثل هذه الأقوال الصادرة عن بعض من ذكر في السؤال، قال حضرة العلامة المدقق المحقق حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي أنزل الله تعالى على روحه من فيوضات عطائه ونفعنا بعلمه، بعد أنْ ذكر أنواع الاعتقاد بالحلول:-
(وأشدّ تخبطا من مثل هذا وأغلظ منه إساءة إلى الإسلام ومجتمع المسلمين هو ذاك الذي يقذف الإسلام والمسلمين بافتراء أنّ التصوف الإسلامي هو ذاك الذي زعمه أو ادّعاه مثل ذلك المتخبط، وهو بذلك يسير على الخطا المرسومة من أساطين الدجل والكفر والتبشير والاستعمار للعمل على تخريب المجتمع الإسلامي، وتقويض ما بقي من حضارته، والقضاء على كلّ فكر نيّر نابض بروح الوحدة الإسلامية) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي ص262-263.
أمّا بالنسبة للحلاج فقد ذكر الإمام حجّة الإسلام الغزالي عليه الرحمة والرضوان من المنّان جلّ جلاله في كتاب مشكاة الأنوار فصلا مطوّلا في العبارات المسؤول عنها: مثل أنا الحقّ وما في الجبّة إلّا الله، وحملها كلّها على محامل حسنة، وقال: هذا من فرط المحبّة وشدّة الوجد وهو مثل قول القائل:-
أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا *** فَإِذَا أَبْصَرْتَهُ أَبْصَرْتَنَا. ينظر: مشكاة الأنوار ص57.
واستشهد رضي الله تبارك اسمه عنه ببعض أقواله في كتابه إحياء علوم الدين (4/75) و (4/247).
ويحكى عن شيخ العارفين قطب الزمان سيّدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس الله تعالى سرّه أنّه قال:-
(عَثَرَ الحَلَّاجُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَلَوْ أَدْرَكْتُ زَمَانَهُ لَأَخَذْتُ بِيَدِهِ) حياة الحيوان الكبرى للدميري رحمه الله عزّ وجلّ (1/349).
وحسبك بهذين الطودين الشامخين عِلْمًا وعملَا وذوقًا وسلوكًا وتأدّبًا بآداب الشرع المبارك، فلم يكّفراه ولم يبدعاه ولم يفسّقاه، وإنّما نقده بعض أهل التزكية رضوان الله تعالى عنهم وعنكم؛ لإطلاقه هذه العبارات تأدّبًا مع الشرع الشريف، ولأنّ ظاهرها قد يوهم سوء الظنّ بقائلها.
على أنّ العبد الفقير يحثُّ على التأسي والاقتداء بمنهج خير الأنبياء سيّدنا محمد عليه الصلاة والتسليم وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وآلهم وصحبهم أجمعين، بأحوال الصحابة رضوان الله تعالى عنهم من التمكّن أثناء السير إلى الله جلّ في علاه؛ إذ حالهم هو الأكمل والأفضل، ولا يميل إلى استخدام هذه المصطلحات الموهمة، ولا يحب التوسّع في هذه المسائل وشبيهاتها، ولا يحب طرحها على الملأ.
قال نبيّ الهدى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل التقى:-
(كَلِّمُوْا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُوْنَ وَدَعُوْا مَا يُنْكِرُوْنَ أَتُرِيْدُوْنَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ) قال الحافظ العراقي رحمه الله سبحانه: رواه البخاري موقوفا على سيّدنا علي رضي الله تعالى عنه، ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم رحمه الله سبحانه (1/36).
قال الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه:-
(وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع فكيف فيما لا يفهمه قائله، فإنْ كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحلّ ذكره) إحياء علوم الدين (1/36).
وأنصح بالاهتمام بما يصلحنا ويصلح أُسَرِنا ومجتمعنا وأمتنا، فهو أولى من الرجوع إلى التاريخ ونبش ما فيه من موهمات ومحتملات.
وأرجو من المسلمين أنْ ينتبهوا إلى أنّ الحياة دار ابتلاء، وصور البلاء تكاد لا تنحصر بسبب تجدد الوقائع، فهناك ابتلاء عام كما في قول ربّنا عزّ شأنه:-
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعْلَنْاهُ سَمِيْعًا بَصِيْرًا} [سورة الْإِنْسَانِ: 2].
وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه هداة الأنام:-
(الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) الإمام أحمد رحمه ربّنا الصمد عزّ اسمه.
وهناك ابتلاء بشكل خاص كما في قوله تعالى:-
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِالصَّابِرِينَ} [سورة البقرة: 155].
وقال نبيّنا الرؤوف الرحيم عليه الصلاة والتسليم وعلى صحبه ذوي الخلُق القويم:-
(فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ) الإمام أحمد رحمه ربّنا جلّ شأنه.
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (528، 546، 1389) في هذ الموقع الأغرّ.
وحَرِي بكلّ إنسان أنْ يحاسب نفسه من موقعه الذي هو فيه بما ابتلاه مولاه جلّ شأنه، فيرى مدى خسائره وأرباحه في تجارته مع ربّه تعالت عظمته.
ولزيادة الفائدة يرجى مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (376، 930، 2235) في هذا الموقع الميمون.
والله عظمت ذاته أعلم.
وصلّى الله تعالى على النبيّ المصطفى، وقدوة أهل الصفا، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أهل الصدق والوفا، ومَن اتبع هديه واقتفى.