11/9/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أنا فتاة قد بلغت من العمر 33 وقد تقدّم لخطبتي ابن عمي وقد طلق مرتين وأبي يجبرني على الزواج منه وإني رفضت الزواج منه وأبي غضب عليّ ولم يكلمني وقد أصبحت سجينةً بالغرفة لا أخرجُ منها، ماذا أفعل؟ هل هو إثم عليّ أو عقوق لأنّي لم أستجيب إلى طلب أبي.
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
ولاية الأب على أبنائه في موضوع الزواج ولاية توجيه ونصح، وليست ولاية إجبار، فتلطفي مع والدك وناقشيه في جو مِن المودّة والاحترام، ووضِّحي له سبب رفضكِ إنْ كان يُوافق ضوابط الشرع الشريف.
للوالدين حقّهما في البرّ والإحسان، قال عزّ من قائل:-
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [سورة الإسراء: 23].
إلّا أنّه لا ينبغي لهما التعسّف في استخدام هذا التوجيه الرباني، ومن صوره المُتعدّدة إجبار البنت على الزواج، ومما يؤسف له جهل الأُسر بهدايات الشريعة الغراء في مجال بناء عش الزوجية، فأرجو من جنابكِ ووالديكِ معرفة مقومات قبول أو رفض الخاطب وذلك بمراجعة جواب السؤال المرقم (3063) في هذا الموقع الميمون.
أمّا مسألة إجبار البنت على الزواج فقد تمت الإجابة عنها في السؤال المرقم (371) في هذا الموقع الأغر، فأرجو مراجعتهُ.
ولا ينبغي لكِ مُخاصمة والدكِ، وهجره بالاعتزال في غرفتكِ، بل توددي إليه وحاوريه بلطف، ووضحي له أسباب رفضكِ، وبإذنه تعالى يتفهم موقفك؛ فالاختلاف لا يفسد للود قضية، خاصة مع الوالدين والأرحام، ولمزيد اطلاع حول مسألة علاقة الابناء بالوالدين في موضوع الزواج أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2967، 2785) في هذا الموقع المبارك.
كما وأنصحكِ بعدم التسرّع برفض ابن عمكِ، فطلاقه مرتين ليس دليلاً قاطعاً على عدم صلاحه، فقد يكون مظلوماً أو غير مُوفّقٍ في الحالتين، وربما يكون صلاحه وسعادته معكِ.
فعَنْ الصحابية الجليلة َفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله تعالى عنها وعنكم: (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ) الامام مسلم رحمه المنعم جل جلاله.
ومعنى (اغْتَبَطْتُ بِهِ):- أي تَمنّينَّ مثل ما عندها من النِعم دون أنْ يحسُدنها أو يُرِدْنَ زوالها عنها.
فانظري رعاكِ الله كيف أنّ هذه الصحابية الجليلة في مبدأ الامر قد كرهت الزواج منْ سيدنا أسامة بن زيد ولكن الله جعل لها فيه خيراً حتى أنّ النساء غَبَطْنَهَا عليه.
أمّا إذا كنتِ مُتأكدة بأنه ليس ممن يُرضى دينه وخُلقه فلا بأس برفضه، وليس ذلك من العقوق في شيء أو يدخل في دائرة الإثم لا سَمَحَ الله تعالى، شريطة عدم التجاوز على الوالد بأي صورة من صور التجاوز مثل رفع الصوت وما شابه ذلك.
وفقكم الله تعالى وفتح عليكم أبواب السعادة والتيسير.
والله جل شأنهُ أعلم.
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.