25/9/2026

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سيدي وقرة عيني. أرسلت هذا السؤال سابقًا، وظهر لي بعد الإرسال أن عملية الإرسال قد تمت، ولكن لم يصلني جواب إلى الآن، لذلك أعيد إرسال السؤال للتأكد من وصوله إليكم، وأعتذر عن تكرار الإرسال. جزاكم الله عنّا خير الجزاء.، أسأل الله الكريم أن يوفقكم، ويمد في عمركم، وينير دربكم

سيدي، لديّ سؤال وأرجو أن يتسع صدركم لي.

قبل ولادتي بفترة، كانت أم زوجي تمنعني من تجهيز الملابس لطفلي، مع أنه كان أول فرحة لي ولزوجي، وكانت في كل مرة تعلم أننا اشترينا له ملابس جديدة تُحدث المشكلات وتضغط عليّ حتى لا أشتري له شيئًا.

ثم علمت من أحد الأشخاص أنها أخذت ملابس طفلٍ متوفى، وكانت تريد مني أن أُلبسها لابني، وهذا ما حدث بالفعل، وبقيت تضغط عليّ لكي ألبسه تلك الملابس.

لكنني، ومن دون علم زوجي، وحفاظًا على بيتي وعلى المودة بيني وبين زوجي، أخفيت عنه هذا الأمر، ولم أخبره بما علمته، خصوصًا أننا ولله الحمد في حالٍ ميسور، وكان هذا طفلنا الأول، وكنت أتمنى أن أفرح به وأجهز له ما يحتاجه كأي أم.

وهي إلى الآن لا تعلم أنني عرفت ما فعلته، ولم تعرف أنني علمت مصدر تلك الملابس.

وبعد الولادة، أصبحت أخاف أن أترك طفلي معها أو أن أعطيه لها، ولا أشعر بالأمان عندما تأخذه، وأخشى أن يبقى معها، بسبب ما عرفته منها سابقًا.

وسؤالي، سيدي: هل يحق لي شرعًا أن أخاف على طفلي من جدته، وأن أشعر بالخوف وعدم الاطمئنان عندما تريد أخذه؟ وهل أكون آثمة إذا شعرت بهذا الخوف، أو إذا لم أطمئن إلى ترك طفلي معها، مع أنني لا أريد ظلمها ولا قطع صلتها بحفيدها، وإنما هذا الشعور جاءني بسبب ما حدث سابقًا؟

وأعتذر منكم عن الإطالة، وعن قلة الأدب، وأسأل الله أن يوفقكم لفعل الخير، ويجزيكم عنّا خير الجزاء.

 

الاسم: سائلة

 

الرَدُّ:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرًا جزيلًا على تعلّقِكِ المباركِ بهذا الموقعِ الطيّبِ، ودعواتِكِ الكريمةِ، وأسألُ اللهَ جلّ في علاهِ أنْ يوفّقَكِ لكلّ خيرٍ، ويدفعَ عنكِ كلّ ضَيْرٍ، إنّهُ سبحانهُ قريبٌ مجيبٌ.

الجوابُ باختصارٍ:-

لا تأثمُ الأمُّ بمجردِ ما تجدُهُ في قلبِها من خوفٍ أو عدمِ اطمئنانٍ ما دامتْ لا تتعمدُ ظلمَ أحدٍ أو اتهامَهُ بغيرِ دليلٍ، ولها أنْ تحتاطَ في رعايةِ طفلِها إذا وجدتْ سببًا معتبرًا يدعو إلى ذلكَ، لكنْ لا ينبغي أنْ يتحولَ مجردُ الخوفِ أو الشكِّ إلى اتهامٍ للجدةِ أو قطيعةٍ لها.

فإنْ لم توجدْ قرائنُ معتبرةٌ على أنَّ الجدةَ تريدُ إضرارَ الطفلِ، فالأولى إحسانُ الظنِّ بها، مع جوازِ اتخاذِ ما يطمئنُ إليهِ قلبُ الأمِّ من الاحتياطِ في رعايةِ ولدِها، من غيرِ ظلمٍ ولا قطيعةٍ.

الجوابُ بالتفصيلِ:-

نشكرُ السائلةَ على تقواها وحرصِها على سلامةِ ولدِها، ونقدّرُ كذلكَ حرصَها على ألا تظلمَ أمَّ زوجِها أو تقطعَ صلتَها بحفيدِها، وهذا من الأمورِ المحمودةِ التي ينبغي أنْ تحافظَ عليها.

أما خوفُ الأمِّ على ولدِها، فإنْ كانَ مجردَ شعورٍ في النفسِ لا تملكُهُ، فلا إثمَ عليها فيهِ؛ إذ لا يُؤاخذُ الإنسانُ بمجردِ الخواطرِ والمشاعرِ التي لا اختيارَ لهُ فيها، قالَ اللهُ تعالى:-

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرةِ: من الآيةِ 286].

وقالَ سيّدُنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلمَ:-

(إنَّ اللهَ تجاوزَ لأمتي ما حدَّثت به أنفسَها، ما لم تتكلَّم أو تعمل به) الإمامُ مسلمٌ رحمهُ اللهُ تعالى.

والأمُّ والأبُ مسؤولانِ عن رعايةِ أبنائِهما وحفظِهم والقيامِ بما فيهِ مصلحتُهم، قالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريمِ: من الآيةِ 6].

وقالَ سيّدُنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلمَ:

(كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) متفقٌ عليهِ.

ولمزيدِ فائدةٍ أرجو مراجعةَ جوابِ السؤالِ ذي الرقمِ (946) في هذا الموقعِ المباركِ.

وعليهِ، فللأمِّ أنْ تراعيَ مصلحةَ طفلِها وأنْ تحتاطَ في رعايتِهِ إذا كانَ لدَيها سببٌ معتبرٌ أو قرائنُ تدعو إلى الخوفِ عليهِ، ولا سيما أنَّ حفظَ الطفلِ ورعايتَهُ من المسؤولياتِ التي لا يجوزُ التفريطُ فيها. كما أنَّ كونَ الجدةِ هي أمَّ الزوجِ لا يجعلُ لها حقًّا في إلزامِ الأمِّ بما لا يلزمُها شرعًا في شؤونِ بيتِها وولدِها، مع بقاءِ حقِّها في الاحترامِ والإكرامِ والصلةِ؛ ولمزيدِ فائدةٍ أرجو مراجعةَ جوابِ السؤالِ ذي الرقمِ (652) في هذا الموقعِ الكريمِ.

لكنْ ينبغي في المقابلِ ألا يتحولَ هذا الخوفُ إلى اتهامٍ للجدةِ بأنها تريدُ إضرارَ الطفلِ من غيرِ دليلٍ؛ فإنَّ ما ذكرتْهُ السائلةُ من أخذِ ملابسِ طفلٍ متوفى وإرغامِها على إلباسِها لولدِها، وإنْ كانَ أمرًا أزعجَها وأورثَها عدمَ الارتياحِ، لا يكفي وحدَهُ للحكمِ بأنَّ الجدةَ تقصدُ الإضرارَ بحفيدِها، ما لم تكنْ هناكَ قرائنُ أخرى معتبرةٌ تدلُّ على ذلكَ.

ولهذا ينبغي التفريقُ بينَ الاحتياطِ المبنيِّ على قرائنَ وبينَ سوءِ الظنِّ الذي يتحولُ إلى حكمٍ على الناسِ بلا دليلٍ، وقد قالَ اللهُ تبارك وتعالى:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [سورةُ الحجراتِ: الآيةُ 12].

وقالَ سيّدُنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلمَ:-

(إيَّاكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ) متفقٌ عليهِ.

ولمزيدِ فائدةٍ أرجو مراجعةَ جوابِ السؤالِ ذي الرقمِ (1849) وما أُحيلَ فيهِ من أسئلةٍ في هذا الموقعِ المباركِ.

وعليهِ، فإنْ كانَ الأمرُ مجردَ شعورٍ داخليٍّ بالخوفِ، فلا إثمَ على السائلةِ فيهِ، ولا يلزمُها أنْ تُكرهَ نفسَها على الاطمئنانِ القلبيِّ الذي لم يحصلْ لها.

ولها أنْ تتخذَ من الاحتياطِ ما لا يترتبُ عليهِ ظلمٌ للجدةِ أو قطعٌ لرحمِها، كأنْ لا تتركَ الطفلَ معها منفردةً إذا كانَ ذلكَ يحققُ لها الطمأنينةَ، ما دامَ ذلكَ لا يقومُ على اتهامٍ صريحٍ لها ولا يؤدي إلى القطيعةِ.

أما إذا ظهرتْ قرائنُ أخرى معتبرةٌ تدلُّ على احتمالِ إضرارِ الجدةِ بالطفلِ، فحينئذٍ يكونُ الاحتياطُ آكدَ، وللأمِّ أنْ تمنعَ ما تخشى منهُ الضررَ بقدرِ الحاجةِ، مع المحافظةِ على صلةِ الجدةِ بحفيدِها بالقدرِ الذي لا يعرّضُ الطفلَ للضررِ.

وينبغي كذلكَ أنْ تحرصَ السائلةُ وزوجُها على أنْ تبقى شؤونُ الأسرةِ في إطارِ الحكمةِ والتفاهمِ، وألا تتحولَ صلةُ الأهلِ إلى تدخلٍ يفسدُ العلاقةَ بينَ الزوجينِ أو يوقعُ الضررَ بأحدِهما؛ فالأصلُ أنْ تُحلَّ شؤونُ الأسرةِ بينَ الزوجينِ، ولا يكونَ تدخلُ الأهلِ إلا عندَ الحاجةِ وبقصدِ الإصلاحِ. ولمزيدِ فائدةٍ أرجو مراجعةَ جوابِ السؤالِ ذي الرقمِ (3020)، وكذلكَ ما وردَ في المشاركةِ المرقمةِ (227) بعنوانِ «المشاكلُ الزوجيةُ»، في هذا الموقعِ الكريمِ.

فالواجبُ أنْ يجتمعَ في هذهِ المسألةِ حفظُ الطفلِ ورعايتُهُ، وحسنُ الظنِّ ما أمكنَ، وصلةُ الرحمِ، وتجنبُ الظلمِ والقطيعةِ؛ فلا تُهملُ الأمُّ ما تراهُ من أسبابٍ معتبرةٍ لحفظِ ولدِها، ولا تجعلُ في المقابلِ مجردَ المخاوفِ سببًا لاتهامِ الجدةِ أو قطعِ صلتِها بحفيدِها.

واللهُ جلَّ جلالُهُ أعلمُ.

وصلّى اللهُ تعالى على سيدنا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا.