24/9/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اسال الله تعالى أنْ يبارك لكلّ مَنْ يعمل على هذا الموقع الكريم، ويحفظ حضرة شيخنا ويجعله ذخرا لنا في الدنيا والآخرة، سيّدي الحبيب سؤالي:-
إذا كانت المرأة تخرج وهي محجّبة ولكن تضع المكياج كاملا، ومقصرة في صلاة الفجر، لكنّها ترى في المنام بعض الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وبعض مراقد آل البيت عليهم السلام، رغم إننا وجهنا لها النصيحة بشأن التبرّج لكن لم تستمع للنصح وهي مغترة بما تراه في المنام، فعلى ماذا يدل رؤياها وهي مقصرة؟ أرشدونا جزاكم الله خيرا.
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكِ مع هذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكِ لكلّ خَيْر، ويدفع عنكِ كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
الرؤيا قد تأتي تحذيرا أو تذكيرا أو بشارة، وهي ليست دالةً على صلاح المرء ورفعة مقامه دائما؛ بل أحيانا يراها العاصي أو الكافر فتكون له استدراجا.
ولا شكّ أنّ التبرّج حرام وهو من الصغائر إلّا إذا وافقه الإصرار أو تعمُّد الإغواء فيكون من الكبائر.
كذا التقصير في أداء الصلوات في وقتها، وتنبغي النصيحة بالحسنى وفق الحكمة حتى تأتي ثمرتها بإذنه تعالى.
نهى الله جلّ وعلا عن التبرّج بقوله الكريم:ـ
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [سورة الأحزاب: 33].
والآية الشريفة بعمومها تخصّ جميع النساء، والتبرّج من البرج وهو الحصن، ومعنى تبرَّج أي خرج من الحصن وبرز منه، والمرأة بالتبرّج تُخرج محاسنها للرجال وتبرزها لهم فينتبهوا لها، ولا شكّ أنّ هذا يؤدي إلى طمع الرجال أصحاب القلوب المريضة، كما قال سبحانه في الآية التي قبلها:ـ
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [سورة الأحزاب: 32].
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2144، 2807) في هذا الموقع المبارك.
وينبغي العلم بأنّ على المسلم فروضًا لها واجبات مركبة؛ فمثلا الصلاة واجبة، وأداؤها في وقتها واجب متعلّق بها.
قال الحقّ جلّ جلاله:ـ
{— إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [سورة النساء: 103].
ولمزيد اطلاع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2778) في هذا الموقع الميمون.
وحريٌّ بالمسلم أنْ يكون رفيقا بالناس يصبر عليهم؛ فالتغيير قد لا يأتي في الوقت الذي يُريد، فالصبر جزء من العلاج مع الصدق والرحمة والدعاء الذي قد يُحدث في ذات المدعو أحيانا ما لا تفعله الكلمات.
ولمعرفة آداب الدعوة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2854) في هذا الموقع الكريم.
أمّا الرؤيا فقد وردت نصوص من الكتاب العزيز والسنّة المشرّفة تهدي إلى ضرورة الاهتمام بها والاستفادة منها.
قال الله عزّ شأنه:-
{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 43].
فانظروا أيّها القرّاء الكرام إلى الفائدة الجليلة التي حدثت لشعب الملك بسبب الاهتمام برؤيته.
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ولمعرفة المزيد عن أحكام الرؤى أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1822) في هذا الموقع الأغرّ.
ولا بدّ من التأكيد أنّ الرؤى لا تنبني عليها أحكام شرعيّة بمعنى أنّك إذا صلّيت الفجر في المنامِ فلا يعني أنْ تعتمد عليها بل تصلي بعد الاستيقاظ.
ومَنْ رأى في المنام أنّه طلّق زوجته فهذا لا يعني أنّها طُلِّقَتْ منه.
ولا تكون الرؤى دائما دليلا على صلاح صاحبها أو علوّ شأنه خاصّة إذا لم تنصلح أحوال الرائي في تقواه والسير إلى مولاه جلّ في علاه.
عن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قَالَ:-
(كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا، فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
فتأمّلوا كيف أنّ حال سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قد تغيّر عندما أخذ بهذه الرؤيا المباركة فأصبح لا يترك قيام الليل.
وينبغي الحذر من أنّ احتمال الاستدراج وارد عندما يكون مَنْ يرى المنامات الطيّبة مصرًّا على الذنوب والآثام -عياذا بالله تعالى-
قال عزّ من قائل:-
{— سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف: 182].
فعلى هذه الأخت ومثيلاتها الإسراع في التوبة والإقلاع عن التبرّج والاستفادة من هدايات هذه المنامات لعلّها ترقى إلى مقام الناجين والناجيات.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، خير ناصح ومعلّم، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.