2020-04-01
السؤال:
في ظلّ الأحداث الجارية من منع التجوّل مع وجود الإنترنت مع قلّة النوم مع عدم العمل، حدث عندنا فراغ وواقع جديد، سؤالي شيخي ما هي نصائحكم وتوجيهاتكم؟ وكيف نقضي ونرتب أوقاتنا؟ جزيل الشكر سيّدي.

 
الاسم: أبو مريم

الرد-:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خير إنّه سبحانه ولي التوفيق.

أودّ التنبيه بضرورة بداية المراسلات والمخاطبات بالسلام، فهذا من أخلاق المسلمين التي أمر بها ربّ العالمين جلّ جلاله وعمّ نواله، وأرجو مراجعة سجل الزوار رقم (409، 415) في هذا الموقع الكريم.

قال الحقّ جلّ وعلا:-

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [سورة البقرة: 155-157].

يمرّ عالمنا اليوم بظروف صعبة لم يشهد مثلها منذ الحرب العظمى، وبصفتنا مسلمين يجب أنْ تكون لنا وقفة وتصرّف مستمد من ديننا الحنيف، وأضع بين أيديكم بعض التوصيات نستنير بها.

فقد أحسّت البشرية كلّها بضعفها وعجزها في مواجهة هذا الفايروس الذي لا يرى بالعين المجرّدة بالرغم من التقدّم والتطوّر، وفي هذا رسالة لنا جميعا بعد أنْ أخذت الدنيا بزينتها بعضَنَا، فشغلوا عن الوظيفة الرئيسة التي من أجلها خلقنا، وهي عبادة الله جلّ في علاه:-

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56].

وقال سبحانه:-

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 14، 15].

لذا وجب التذكير عملا بقوله عزّ من قائل-:

{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الذاريات: 55].

1- أوجّه الملحدين بضرورة مراجعة أنفسهم وتصحيح عقيدتهم ليؤمنوا بالله جلّ وعلا الذي بيّن لهم شيئا من قدرته.

وكذا الحال بالنسبة للمسلمين أنْ يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها على تقصيرها في طاعة الله تبارك اسمه، وإسرافها في عصيانه جلّ جلاله وعمّ نواله.

وقضاء ما فاتهم من صلاة وصيام وزكاة، وغيرها، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (194، 255، 1203، 1424، 2128) في هذا الموقع المبارك.

وأخصّ بمزيد تأكيد السالكَ الذي عاهد ربّه عزّ وجلّ من خلال شيخه ومربّيه أنْ يكون أكثر حرصًا على محاسبة نفسه واتهامها بالتقصير ليستدرك ما مضى بالإكثار من الذكر، وقراءة القرآن الكريم، والعمل الصالح، والدعاء والتضرّع إلى الله جلّ وعلا ليكشف هذا الكرب، وتوجيه النّاس إلى الاطلاع على ما في هذا الموقع الكريم وغيره من خير وإرشاد، ونشر ما يرونه ملائمًا وأكثر نفعًا.

ولنا في سلفنا الصالح عليهم الرحمة والرضوان قدوة حسنة فقد ذكر الإمام ابن سعد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا:-

(عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: بَلَغَنَا بِالْكُوفَةِ أَنَّ مَسْرُوقًا (بْنَ أَجْدَع الوَادِعِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى) كَانَ يَفِرُّ مِنَ الطَّاعُونِ، فَدَخَلُوْا عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلُوْهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا كَانَ يَفِرُّ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَيَّامُ تَشَاغُلٍ فَأُحِبُّ أَنْ أَخْلُوَ لِلْعِبَادَةِ، فَكَانَ يَتَنَحَّى فَيَخْلُو لِلْعِبَادَةِ، قَالَتْ: فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبْكِي مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ، قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَ قَدَمَاهُ قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: الطَّاعُونُ وَالْبَطْنُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْغَرَقُ مَنْ مَاتَ فِيهِنَّ مُسْلِمًا فَهِيَ لَهُ شَهَادَةٌ) الطبقات الكبرى (6/81) بتصرّف يسير.

ورحم الله سبحانه هذا الفقيه (مسروق بن أجدع الوادعيّ) فكأنّه أشار إلى ما ورد عن نبيّنا المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الصدق والوفا-:

(مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

2- التحلّل من المظالم من خلال إعادة الحقوق إلى أهلها قدر المستطاع، قال ربّنا عزّ وجلّ-:

{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [سورة طه: 111].

وقال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فمَنْ كان عليه دَيْنٌ مثلا ومعه السيولة فليسارع لسدّ دينه لتبرأ ذمّته منه، فبقاء الديون في الذمّة أمرٌ خطيرٌ يعمّ شرّه الدنيا والآخرة، ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (536، 1429) في هذا الموقع الكريم.

ومَنْ كانت بينه وبين أهل الحقوق عليه (كالوالدين، والإخوة والأخوات، والجيران، والزملاء) قطيعة، فليسارع في المواصلة على أساس التوبة النصوحة، والمحبّة والمودّة، فلا يُعْلَم ما الذي سيحدث في قابل الأيام ومستقبل الزمان.

ولمزيد من الفقه يمكن مراجعة الأجوبة المرقمة (946، 1385، 2291، 2434) والمشاركات المرقمة (85، 227، 303) في هذا الموقع الأغرّ.

3- الإكثار من صنائع المعروف، ومنها:-

أ- كثرة التصدّق: لما لها من آثار إيجابية في رفع البلية، وإسعاف حياة الإنسان الدنيوية بمقومات اليسر، والأخروية بالفوز، وهذا مأخوذ من نصوص الكتاب العزيز والسنّة المطهرة، قال جلّ ذكره:-

{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة المنافقون: 10].

قال أهل الذكر رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

يتمنّى العودة ليتصدّق لما يرى من عظم أجرها.

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه-:

(صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ، وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

ب- القرضة الحسنة: قال الحقّ جلّ وعلا:-

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [سورة الحديد: 11].

وقال سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.
ولمزيد بيان أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1962، 2178) في هذا الموقع المبارك.

 

4- أرجو استغلال وقت الفراغ بالإنتاج، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(نِعْمَتَانِ مَغْبُوْنٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.

فمَنْ يملك مزرعة مثلا فعليه الذهاب إليها ومتابعة شؤونها ليكفي نفسه وعياله من إنتاجها ويتصدّق بما زاد.

ومَنْ لم تكن له مزرعة فيمكن فعل ذلك في حديقة منزله.

أو استغلال فراغه في تصليح وترتيب أغراض بيته، وأذكر في هذا الباب لرفع الهمّة لا بقصد التشبيه ما كان يفعله السجناء من جمع الأشياء التي لا قيمة لها ليصنعوا وينتجوا منها ما له قيمة، فيصنعون من أعواد الثقاب التُّحَف، ومن الورق والكارتون أدوات الزينة، أو أي شيء آخر، وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1976، 2327) في هذا الموقع الكريم.

ولا بأس أنْ يستثمر الوقت مع الأهل والأحباب ببعض المسابقات التي تنمّي المعرفة وفيها من الطُرَف ما يُذهب عن أهل البيت السآمة، وضرورة التحلّي بسعة الصّدر مع عائلته إذا استمرّ حظر التجوال لا قدّر الله عزّ وجلّ.

وجميل ما قام به البعض إذ أنشأوا مجموعات على (الواتساب) تضمّ بعض أحبابهم وأصدقائهم يتواصلون فيما بينهم يتبادلون من خلالها الأخبار والحِكَم والنصائح والمعلومات.

5- وباء (كورونا) أعاذنا الله تعالى منه آيةٌ من آيات الله جلّ جلاله يجب على العاقل أنْ يتوقّف عندها ويتفكّر فيها، ولا يكون من الذين ذكرهم الله سبحانه في محكم كتابه العزيز:-
{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 105].

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2408) في هذا الموقع النافع.

 

6- الأخذ بالأسباب لوقاية نفسه ومَنْ يعول، والحرص على عدم نشر الوباء، وكذلك توعية النّاس فيما يتعلّق بالمرض والصحّة بشكل عام، وتوجيه النصائح المعتمدة من المختصين في هذا المجال دون الترويج للإشاعات والمعلومات المضللة، وأرجو الاطلاع على جواب السؤالين المرقمين (655، 2437) في هذا الموقع المبارك.

 

7- التأكيد على عدم التشفّي بالأقوام الآخرين، وتأويل ذلك بأنّه عقوبة وانتقام، فهذا من التألّي المنهيّ عنه، فعَنْ سيّدنا جُنْدبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، أَوْ كَمَا قَالَ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

فلا أعلم مراد الله جلّ وعلا على وجه التحديد، لأنّ الاحتمالات قائمة (فقد تكون آيةً، أو رحمةً، أو عذابًا، أو إنذارًا، أو تربية وتذكيرا).

عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، قَالَتْ:-

(سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

8- وأوصي ربَّ العائلة بجمع أولاده لصلاة الجماعة، وأنْ يلقي عليهم دروسًا تلائم أعمارهم في العبادات والمواعظ وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخبار الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم وما لاقوه من ظروف مماثلة.

 

9- ومن الضروري جدًّا أنْ تسع صدورنا أقدارَ الله سبحانه فهي خيرٌ إنْ ثبتنا على إيماننا، فقد قال الله جلّ وعلا مخبرًا رسوله سيّدنا محمّدًا صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ومن خلال شخصه الكريم أمّته، عن هذه الحقيقة في أقسى ظرف مرّ به على ما أعتقد وهو (حادثة الإفك) فقال سبحانه:-

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ —} [سورة النور: 11].

وقال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه.

فالقدر الذي نزل بنا يوجب علينا أنْ نعيَ خيره فنستغلّه مستثمرين منتفعين شاكرين، ومنتبهين ممّا قد توسوس نفوسنا أو شياطين الجنّ والإنس بما يجعلنا من الخاسرين عياذا بالله ربّ العالمين.

10- وبما أنّنا نعيش ظرفا غير طبيعيّ فأذكّر نفسي وحضراتكم بالسماحة واللطف وسعة الصدر لمَنْ أجبرنا القدرُ أنْ نعيش معهم المدّة التي علمها عند الله جلّ في علاه، فقد تحصل خلافاتٌ ومنازعاتٌ وكلّها شرٌّ وإخفاقٌ، قال الله تبارك اسمه:-

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال: 46].

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة الحجرات: 10].

{— وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [سورة النساء: 128].

فاللهَ اللهَ في كبار السنّ (وقّروهم، واستمعوا إليهم، وتفاعلوا مع أحاديثهم)
والرحمةَ الرحمةَ بصغار السنّ (استوعبوا كثرة حركاتهم، ولينوا جوانبكم لهم) قال سيّد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وَاللهَ اللهَ في أزواجكم، قال عزّ شأنه:-

{— وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [سورة النساء: 19].

وقال نبيّنا وحبيبنا صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-

(— اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

والتذكير هذا يشمل النساء أيضا وخاصّة المتزوجات بضرورة تقدير أحوال أزواجهن الذين أجبرهم القَدَرُ بالمكث في البيوت الذي لا يتناسب مع طبيعة الرجل كما هو معلوم.

 

11- أؤكّد على ضرورة الإكثار من الدعاء والتضرّع إلى الله جلّ في علاه القائل في كتابه العزيز:-

{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [سورة الأعراف: 55].

والقائل سبحانه:-

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [سورة الأعراف: 94].

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

فبالدعاء والتضرّع يكشف الله تعالى الكربات، ويزيل الشدائد والملمّات، ويحلّ العُقد والأزمات، فكم من دعوة بتضرّع وتذلل وانكسار علت حتى استقرّت بين يدي الملك الغفّار جلّ جلاله، فقال لصاحبها: وعزّتي لأستجيبنّ لك، وقد روي عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنّه قال:-

(إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ عَنْ مِئَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ جِيْرَانِهِ البَلَاءَ. ثُمَّ قَرَأَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة: 251]) الإمام ابن عساكر رحمه الله جلّ ذكره.

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1804) في هذا الموقع الكريم.

وهذه أبياتٌ سمعتها فأعجبتني، تحاكي الواقع الذي نعيشه أتحفكم بها:-

عِــجَــافٌ هَــذِهِ الأَيَّــامُ فِــيْــنَـــــا *** وَلَــكِـنَّـا نَــرَى نُـــوْرًا مُـبِـيْـنَـا

سَـتَـمْـضِـي هَـذِهِ الأَيَّــامُ حَـتْــمًـــا *** وَنَشْهَدُ إِنْ جَزِعْـنَا أَوْ رَضِيْـنَا

كَـرِهْـنَــا مَـا أَتَــانَــا وَهُــوَ خَـيْــرٌ *** وَلَـكِــنَّــا بَـقِـيْـنَـا كَـارِهِــيْــنَــا

وَكَـــمْ للهِ مِـنْ لُـــطْــــفٍ خَــفِـــيٍّ *** جَـهِـلْـنَـاهُ وَيَـعْـلَـمُـهُ يَـقِــيْــنَــا

رَسُـوْلُ اللهِ حُـوْصِـرَ فِـي سِـنِـيْـنٍ *** وَكَـانَ مِـنَ الـتُّـقَـاةِ الصَّابِرِيْنَـا

فَـكَـيْـفَ بِـنَـا وَقَـدْ كَـانَ اخْـتِـيَـارًا *** وَحِـرْزًا بَـلْ وَكُـنَّـا طَائِـعِـيْـنَـا

وَحَـسْـبُ المُسْلِمِيْنَ إِذَا أُصِـيْـبُــوا *** بِـأَجْـرِ المُـبْـتَـلِـيْـنَ فَـقَـدْ هُدِيْنَا

فَــقَــرْحٌ مَـسَّـنَـا قَــدْ مَـسَّ قَـوْمًـا *** وَنَـرْجُـو اللهَ مَـا لَا يَـرْتَـجُـوْنَـا

وَعِـنْـدَ اللهِ ذَلِـكَ فِــي كِـتَـــــــابٍ *** فَـقَـدْ أَحْـصَـاهُ رَبُّ العَـالَـمِـيْـنَا

وَلَا حَـــوْلٌ يُــبَــلِّــغُــنَــا وَلَـكِــنْ *** شـَدَدْنَـا بـِالـدُّعَـا حَـبْـلًا مَـتِـيْـنَا

غَدًا نَحْوَ المَسَاجِدِ سَوْفَ نَمْضِي *** تُـنَـادِيْـنَـا فَـنَـأْتِـي مُـهْـطِـعِـيْـنَـا

نَـصُـبُّ دُمُـوْعَـنَا حَـمْـدًا وَشُكْرًا *** وَنَـسْـجُـدُ يَـا إِلَـهِـي خَـاشِـعِـيْـنَا

كَيَوْمِ العِـيْـدِ سَـوْفَ نَجِيْءُ جَمْعًا *** حَـنَـاجِـرُنَـا تَـضُـجُّ مُـكَـبِّـرِيْـنَـا

سَـيَـجْـبُـرُ كَـسْـرَنَـا رَبٌّ رَحِـيْـمٌ *** وَنُـدْرِكُ نِـعْـمَـةَ الـمَـوْلَـى عَـلَيْنَا

أسأل الله تبارك اسمه أنْ يرفع هذه الغمّة عن الأمّة، وينعم على الجميع بالصحة والعافية، ويُعيد إلينا صلوات الجمعة والجماعة، وييسّر لنا سبيل الحجّ والعمرة، إنّه سبحانه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على البشير النذير، والسراج المنير، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقدير.